البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١١٣ - الاعتراض الثالث أخذ الرسول كناية عن الصدور لا الوصول
«ما كنت لأسبقك بالاعتداء عليك»، أي: «ليس من شأني هذا»، و إذا كان الأمر كذلك، فالتعبير المذكور لا يدل على أن الآية بصدد نفي العذاب الدنيوي بوجه.
الثاني: أنه حتى لو كان هذا التركيب يشعر بالإشارة إلى العقوبات الدنيوية، فإننا نمنع نظرها إلى ذلك تمسكاً بالسياق الذي وردت فيه هذه الآية، و سياق الآية
يقتضي نفي العذاب الأخروي؛ لأنها وردت ضمن آيات و في سياقها، كان نظر تلك الآيات إلى العذاب الأخروي واضحاً، كقوله تعالى: (و لا تزر وازرة وزر أخرى)، أي: لا يتحمل الإنسان من العذاب الأخروي إلا ما ارتكبه بنفسه لا ما ارتكبه غيره، و كل نفس بما ارتكبت رهينة. فهذه الآية بلا إشكال ناظرة إلى عالم الإدانة و المسئولية و العقاب الأخروي، أي: إلى عالم التشريع لا التكوين، فبقرينة السياق، و للنكتة السابقة، لا بد من حمل الآية على نفي العذاب الأخروي أو ما يعمه لا الدنيوي خاصةً.
و لكن عدم ورود هذين الاعتراضين لا يعني تمامية الآية في إثبات البراءة الشرعية، بل الآية تواجه اعتراضاً آخر و هو الاعتراض الثالث الآتي.
الاعتراض الثالث: أخذ الرسول كناية عن الصدور لا الوصول
قوله (قدس) ص ٣٩: «و لكن، يرد على الاستدلال بالآية الكريمة ... إلخ».
اتضح أن الاستدلال بالآية الكريمة على البراءة الشرعية مبني على أن يكون الرسول قد أخذ فيها كمثال للوصول لا لمجرد الصدور و إن لم يصل، و قد بيّنا وجه الابتناء على ذلك، و أما إذا كان بعث الرسول كناية عن الصدور و التشريع لا الوصول، فلا يتم الاستدلال؛ لعدم الملازمة بين عدم الوصول و عدم الصدور كما هو واضح.
و الصحيح: إن الآية غاية ما تقتضيه هو جعل الرسول كناية عن الصدور و التشريع. و السر في ذلك هو: أن الإيصال الفعلي للتكليف إلى المكلّف ليس من شأن الشارع، بل وظيفة الشارع تقتصر على جعل التكليف في معرض الوصول و في مظان العثور، عن طريق بعث الرسل، و تبليغ الأحكام من قبلهم. و إقامة الحجة على العباد لا يقتضي أكثر