البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٢١ - في كيفية اثبات الأمور التي يتوقف عليها الاستدلال
أ- أن يراد بالبيان الصدور، فيكون المعنى: «و ما كان الله ليضل قوماً حتى يصدر لهم التكاليف التي يتّقون بامتثالها و يضلون بمخالفتها».
ب- أن يراد بالبيان الوصول، فيكون المعنى: «و ما كان الله ليضل قوماً حتى تصل إليهم التكاليف فيتقون بامتثالها و يضلون بمخالفتها».
و نفي الضلال على الاحتمال الأول يكون منوطاً بعدم الصدور، و أما على الاحتمال الثاني فيكفي فيه مجرد عدم الوصول و إن كان قد صدر في الواقع و نفس الأمر.
و الوجه في توقف الاستدلال بالآية الكريمة على البراءة الشرعية على كون المراد من البيان في قوله: (حتى يبيّن لهم) هو الوصول لا الصدور، هو أننا نريد أن نثبت الوظيفة العملية الشرعية في حالة الشك في التكليف الناشئ من عدم الوصول و إن كان صادراً، فما لم يتعيّن الاحتمال الثاني من الاحتمالين السابقين لا يتم الاستدلال؛ لأن مجرد احتمال إرادته لا يكفي، بل تكون الآية مجملة من هذه الناحية حينئذ.
في كيفية اثبات الأمور التي يتوقف عليها الاستدلال:
و بعد معرفة ذلك، يقع الكلام في إثبات كل واحد من هذه الأمور الثلاثة:
فأما بالنسبة إلى الأمر الأول، فطريق إثباته هو التمسك بظهور قوله تعالى: (و ما كان الله) في نفي الشأنية لا الإخبار عن الماضي؛ لأن مثل هذا التعبير منه سبحانه و تعالى هو المناسب لذلك؛ لأنها هي الطريقة المتبعة في كلام الشارع و التي لا يناسبه غيرها، فيكون معنى الآية على ذلك: انه ليس من شأنه سبحانه، و لا من المناسب له، أن يضل قوماً بعد أن هداهم حتى يبين لهم ما يتقون به.
و أما بالنسبة إلى إثبات الأمر الثاني فنقول: إنّه بمقتضى النقطة الأولى، تكون الآية ظاهرة في إرادة أحد المعنيين الأخيرين دون المعنى الأول من المعاني التي يحتمل إرادتها من قوله تعالى: (ليضل قوماً)؛ لأن سياق الآية الكريمة نفي الشأنية، و هو يناسب المعنيين الأخيرين.