البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٠١ - الثاني التفريق بين التكليف بمعنى الحكم و التكليف بمعنى الإدانة
بمعنى: (الحكم) و بين التكليف المأخوذ من مادة (كلفة) بمعنى: (المشقة و الإدانة). حيث إن الأول يعني: التشريع الصادر من الله سبحانه و تعالى، و الثاني يعني: المشقة [١] و ما يترتب على التكليف من الإدانة و العقاب في حال المخالفة.
و لعل الخلط بين التكليف بمعنى الحكم الشرعي و التكليف بمعنى الإدانة، هو الذي أدى إلى الوقوع بمثل هذا الاشتباه، و ذلك لما جرى على لسان الأصوليين من تسمية الحكم بالتكليف مع أن أحدهما غير الآخر مفهوماً، و الظاهر من التكليف الوارد في الآية في قوله تعالى: «لا يكلف» هو أنه المأخوذ من مادة (كلفة) بمعنى الإدانة لا بمعنى الحكم، و لا نريد من إطلاق اسم الموصول شموله لذلك (أي: للإدانة) حتى يكون بمعنى: أنه لا يدين إدانة، أو لا يكلف كلفة، فيكون من المفعول المطلق. بل نريد به شموله لما هو موضوع الإدانة الذي هو عبارة عن الحكم الشرعي، فيكون المعنى: أنه لا يكلّف (أو يدين) بسبب حكم غير واصل إلى المكلّف.
و من الواضح: إن نسبة الحكم إلى التكليف بهذا المعنى هي نسبة الفعل إلى المفعول به، فلا يلزم إرادة نسبتين متباينتين في استعمال واحد، بل هو استعمال في نسبة واحدة هي نسبة الفعل إلى المفعول به.
وعليه، فلا مانع من أن يكون المراد من اسم الموصول (ما) المعنى الأعم الشامل للتكليف من دون أن يلزم من ذلك محذور استعمال اللفظ في معنيين.
و بهذا، تكون الآية تامة الدلالة على البراءة الشرعية، و يكون معناها حينئذ: إن الله
سبحانه و تعالى لا يكلّف و لا يدين على مخالفة الحكم الشرعي و التكليف غير الواصل.
[١] هذا ما أجاب به المحقق العراقي حيث قال:) و ثانياً بإمكان جعل الموصول من باب المفعول له، و ان التكليف بمعنى: الكلفة و المشقة الحاصلة لأجل الإعلام بالحكم تارة و إعطاء المال أخرى، و حينئذٍ يخرج مثل هذا المقام من باب استعمال اللفظ في المعنيين كما لا يخفى». راجع: مقالات الأصول، ج ١، ص ١٦٩. نهاية الأفكار، ج ٣، ص ٢٠٣.