البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢٤٠ - الاعتراض على هذا التقريب
عدم وجوب الموافقة القطعيّة للتكليف المعلوم بالإجمال، فيبطل هذا التقريب.
إن قلت: إن هذا تبعيض في تطبيق البراءة العقلية و قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و هو غير معقول؛ لأنّ موضوع القاعدة إما أن يكون تاماً في كل طرف أو لا يكون كذلك، و أمّا القول بأنه تام في كل طرف بعنوانه و غير تام فيه بمقدار إضافته إلى الجامع فهو غير معقول.
كان الجواب: إن التبعيض في تطبيق البراءة العقلية و قاعدة قبح العقاب بلا بيان أمر معقول و لا محذور فيه؛ و ذلك لأن جريان تلك القاعدة أو عدم جريانها تابع لمدى تحقق موضوعها أو عدم تحققه، و قد وجدنا أنّ موضوعها تام بلحاظ كل من وجوب الظهر بما هو وجوب للظهر، و وجوب الجمعة بما هو وجوب للجمعة؛ لأن كلًا منهما بما هو كذلك لم يتم عليه البيان، فتجري البراءة العقلية، و لكنه- أي:
موضوع القاعدة- غير تام بلحاظ إضافة كل من هذين الوجوبين إلى الجامع، فلا تجري البراءة العقلية بمقدار إضافة كل منهما إلى الجامع، و هو بهذا المقدار ليس إلا وجوب صلاة ما بقطع النظر عن كونها ظهراً أو جمعة؛ لأنّ هذا المقدار هو الذي تم عليه البيان.
و بعبارة أخرى: إنّ الوجوب بمقدار إضافته إلى هذا الطرف بخصوصه أو ذاك الطرف بخصوصه لم يتم عليه البيان؛ إذ لا علم بأن الواجب هو صلاة الظهر بعنوانها أو صلاة الجمعة بعنوانها، فيكون مشمولًا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و أما بمقدار إضافته إلى الجامع و بقطع النظر عن تعلقه بهذه الخصوصية أو تلك فقد تم عليه البيان؛ إذ اننا نعلم بوجوب صلاة ما، فلا يكون مشمولًا لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.
نعم، التبعيض في تطبيق البراءة الشرعية لا يصح؛ و ذلك لأنّ هذا يرتبط بمفاد الدليل اللفظي الدال عليها، و مقدار ظهوره العرفي، و من الواضح أن ظهوره العرفي لا يساعد على ذلك [١].
[١] و ذلك لأن مفاد الدليل و ظهوره العرفي هو البراءة عند الشك في التكليف و عدم قيام الحجة عليه. و من الواضح أن النظر إلى التكليف المشكوك في كل طرف تارة بما هو هو و أخرى بما هو مضاف إلى الجامع و إن كان ممكناً بالدقة العقلية، إلا أنه ليس عرفياً، و هذا بخلاف قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ فإنها بحكم كونها قاعدة عقلية يرجع في تحديد موضوعها إلى العقل، يمكن معها التفصيل بين النظرين المذكورين و لو بالدقة العقلية، بنحو يكون موضوعها تاماً بأحد النظرين و غير تام بالنظر الآخر.