البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٩ - الأمر الثاني بيان المراد من الشك الذي أخذ موضوعاً في الأصول العملية
الأمر الثاني: بيان المراد من الشك الذي أخذ موضوعاً في الأصول العملية
بعد أن تبين أنّ موضوع الأصول العملية عموماً هو الشك في التكليف، يقع الكلام في هذا الأمر في بيان معنى الشك الذي أخذ موضوعاً للأصول العملية، فإن الشك يطلق و يراد به أحد معاني ثلاثة:
الأول: الشك المنطقي بمعنى: تساوي طرفي الاحتمال في مقابل الظن والوهم.
الثاني: ما يساوق عدم العلم، فيشمل كلًا من الظن والوهم و الاحتمال.
الثالث: ما يساوق عدم قيام الحجة على الحكم الشرعي.
فعند ما يطلق الشك في علم الأصول، تارة يراد به المعنى الثاني، كما في تعريفهم للأحكام الظاهرية بأنها ما أخذ الشك في الحكم الواقعي في موضوعها، فالمراد بالشك في هذا التعريف، هو مطلق عدم العلم بالحكم الواقعي، فيشمل كلًا من الظن والوهم و الاحتمال، وعليه يستند تقسيمهم للأحكام الظاهرية إلى أمارات و أصول عملية.
و تارة أخرى يراد به المعنى الثالث، أي: ما يساوق عدم قيام الحجة على التكليف الواقعي، و هذا المعنى هو المراد من الشك الذي أخذ موضوعاً فعلياً في الأصول العملية مطلقاً، و ليس الشك المنطقي الذي يتساوى طرفاه، و لا الشك الأصولي المساوق لعدم العلم الوجداني بالحكم الواقعي؛ فإنّ مثل هذا النوع من الشك (بالمعنى الثالث) محفوظ حتى مع قيام الدليل المحرز و الحجة الشرعية كالأمارات المجعولة حجة من قبل الشارع، و الحال أنه لا خلاف في عدم كونه موضوعاً فعلياً للأصول العملية؛ لما هو معروف من أنه لا مورد للأصل العملي مع قيام الدليل المحرز حتى لو كان ظنياً [١].
[١] إن قلت: إنّ الشك في التكليف إذا لم يكن مورداً لجريان الأصل العملي عند قيام الحجة الشرعية على التكليف الواقعي، فما معنى القول بتعارض الدليل المحرز مع الأصل العملي الذي يبحث عادة في علم الأصول؟
كان الجواب: إنه قد بينا أن الشك تارة يكون بمعنى عدم العلم الوجداني بالتكليف، و أخرى يكون بمعنى عدم قيام الحجة على التكليف. و هو بالمعنى الأول موضوع في نفسه لجريان الأصل العملي. وعليه يبتني القول بالتعارض المشار إليه. و أمّا بالمعنى الثاني فهو لم يعد موضوعاً فعلياً للأصل العملي؛ نتيجة للحكم بتقديم الأمارة على الأصل العملي عند التعارض، فإنّ المقصود بكون الشك موضوعاً فعلياً إنما هو في مقابل كونه موضوعاً في نفسه لجريان الأصل العملي و إن لم يجر فعلًا، كما لو قامت الأمارة المجعولة حجة من قبل الشارع على تشخيص و إحراز الواقع، فإن الشك بالمعنى الأول محفوظ وجداناً في هذه الحالة حتى مع قيام الأمارة الحجة، إلا أن الأصل العملي لا يجري في المقام؛ لأن الموضوع الفعلي للأصل العملي هو خصوص الشك الذي لم تقم معه حجة شرعية على الواقع، و من هنا قيل بأن الأصل العمل متأخر رتبة عن الدليل المحرز، كما سيأتي بيانه لاحقاً.