البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٣٧ - الاحتمال الثالث أن يراد بالرفع الرفع التنزيلي التعبدي لا الحقيقي
تلك العناوين، الأمر الذي ينتهي إلى انتفاء الأحكام المترتبة على موضوعاتها في حالة طرو أحد العناوين المذكورة في الحديث؛ لأن الحكم ينتفي حيث ينتفي موضوعه كما هو واضح [١].
الاحتمال الثالث: أن يراد بالرفع الرفع التنزيلي التعبدي لا الحقيقي
أن يكون الرفع مسنداً إلى نفس تلك الأشياء حقيقةً و بوجوداتها التكوينية، و العناية على هذا الاحتمال إنما هي في نفس الرفع لا في المرفوع، بخلاف الاحتمالين السابقين حيث كانت العناية في نفس المرفوع، و هو العقوبة أو المؤاخذة
على الأول و الوجود التشريعي على الثاني.
و المقصود بكون العناية في نفس الرفع هو كون المراد به الرفع التنزيلي التعبدي لا الرفع الحقيقي، نظير قوله: «لا ربا بين الوالد و ولده»، فإن نفي الربا هنا كان تعبداً و تنزيلًا للربا الحاصل بين الوالد و ولده منزلة العدم بلحاظ حكمه المترتب عليه و هو الحرمة، و كذلك في المقام، فشرب الخمر مثلًا إذا اضطر إليه أو أكره عليه و صدر من المكلف بهذا العنوان، فإنه ينزّل- وفقاً لهذا الاحتمال- منزلة العدم خارجاً، و كأن المكلّف لم يصدر منه شيء، فلا يتعلّق بذلك الفعل حرمة و لا عقوبة من حد أو غيره [٢].
[١] فشرب الخمر مثلًا إذا صدر من المكلف اضطراراً أو خطأً أو نسياناً أو جهلًا أو غير ذلك من العناوين الأخرى المذكورة في الحديث، فإنه لا حرمة فيه في هذه الحالة، و هكذا الحال في الأحكام الشرعية الأخرى إذا طرأ على موضوعاتها أحد العناوين المذكورة
[٢] إن قلت: إنه على هذا الاحتمال لم يبق فرق بينه و بين الاحتمال الثاني المتقدم، فإن تنزيل وجود الموضوع منزلة العدم بسبب طرو العناوين المذكورة لا يختلف عن رفع الوجود التشريعي؛ فإنه أيضاً بلحاظ عالم التشريع اعتبار ما صدر من المكلف كالعدم، غاية ما في الأمر، أنّ الاختلاف في اللسان و في كيفية التعبير عن ذلك ليس إلا.
كان الجواب: إنّ الأمر من الناحية العملية و بلحاظ النتيجة النهائية و إن كان كذلك بالنسبة إلى بعض الفقرات و العناوين الواردة في الحديث، إلا أنه ليس كذلك بلحاظ بعض الفقرات الأخرى؛ فإنّ تنزيل الوجود منزلة العدم يقتضي صدور فعل من المكلف حتى ينزل ذلك الفعل الصادر منزلة العدم، الأمر الذي لا يمكن تطبيقه إلا على خصوص الفقرات التي تقترن بصدور فعل معيّن من المكلف، و هذا بخلاف رفع الوجود التشريعي للموضوع فإنه يمكن تطبيقه على جميع الفقرات سواء كان موضوعها الفعل أم الترك؛ لأن الوجود التشريعي للموضوع أعم من الفعل و الترك كما هو واضح، فكما أن الفعل يقع موضوعاً للحكم الشرعي فكذلك الترك أيضاً، و هذا ما سوف يظهر جلياً عند بيان الثمرات المترتبة على هذه الاحتمالات، فانتظر.