البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٣٠٧ - العلم التعبدي بالجامع و الخلاف في منجزيته على قولين
الأول: القول بتطبيق قاعدة منجزية العلم الإجمالي في المقام.
و ذلك على أساس أن دليل حجية الأمارة أو البينة، مفاده جعل الأمارة علماً تعبداً، فيترتب عليه ما يترتب على القطع الطريقي من الآثار، و التي من أهمها التنجيز، وعليه، فكما يفي العلم الوجداني بالجامع بالتنجيز، كذلك يفي العلم التعبدي بالجامع بذلك.
الثاني: القول بعدم إمكان تطبيق قاعدة منجزية العلم الإجمالي على موارد ما يعبر عنه العلم التعبدي.
و ذلك على أساس أن منجزية العلم الإجمالي تقوم على افتراض تعارض الأصول الشرعية المؤمنة في أطراف العلم الإجمالي و تساقطها.
و قد تقدم أن منشأ هذا التعارض هو أن جريان الأصول في كل الأطراف يؤدي إلى الترخيص في المخالفة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال، الأمر الذي يعني: أنه لو لم يؤد جريانها في جميع الأطراف إلى الترخيص في المخالفة القطعية للتكليف الواقعي فلا تعارض بين الأصول، و بالتالي، لا منجزية، و في موارد العلم التعبدي لا يلزم من جريان الأصول في جميع الأطراف الترخيص في المخالفة القطعية، و ذلك لعدم العلم بثبوت التكليف في الواقع؛ لأن البينة الشرعية أو الأمارة ليس من الضروري أن تكون مطابقة للواقع [١].
[١] يمكن أن يقال: إنّ محذور الترخيص في المخالفة الواقعية للتكليف المعلوم بالإجمال، إن كان الملحوظ فيه مخالفة التكليف الواقعي بما هي مخالفة لتكليف واقعي ثابت في الواقع و نفس الأمر و بقطع النظر عن أي شيء آخر، فهذا المحذور قد لا يلزم في موارد العلم الوجداني بالجامع أيضاً؛ فإن العلم قد لا يكون مصيباً للواقع، و بالتالي، فلا تكليف واقعي لكي يلزم من الترخيص مخالفته القطعية.
و إن كان الملحوظ فيه مخالفته من حيث تنجيز العلم له و بقطع النظر عن مصادفة ذلك العلم للواقع أو عدم مصادفته له، فهذا المحذور يلزم حتى في موارد العلم التعبدي بالجامع؛ لأن جريان الأصول في جميع الأطراف يوجب المخالفة القطعية لتكليف قد تنجّز و إن لم يكن ذلك التكليف ثابتاً في الواقع. وعليه، فلا فرق من هذه الناحية بين العلم الوجداني بالجامع و العلم التعبدي به.
لا يقال: إنّ الملحوظ في المقام ليس هو مجرد الترخيص من حيث هو ترخيص و منافاته للتكليف الواقعي، بل هو مدى إمكان وصول ذلك الترخيص الظاهري إلى المكلف المقصود به أو عدم إمكان ذلك كما مرّ في بحث حجية القطع، فيكون المحذور لازماً في موارد العلم الوجداني بالجامع و لا يكون لازماً في موارد العلم التعبدي؛ باعتبار أن المكلف لا يمكنه التصديق بالترخيص في موارد العلم الوجداني، بينما يمكنه ذلك في موارد العلم التعبدي.
فإنه يقال: إنّ هذا المعنى إنما يتم في موارد العلم التفصيلي دون موارد العلم الإجمالي؛ لما ذكرناه سابقاً من إمكان جعل الترخيص الجاد في موارد العلم الإجمالي، المعبر عن الاهتمام بالغرض الترخيصي و تقديمه على الغرض اللزومي، و من المعلوم: أن الغرض الترخيصي محتمل في موارد العلم الإجمالي بخلاف العلم التفصيلي؛ فإن القاطع بالتكليف لا يحتمل الغرض الترخيصي في مورد قطعه، و إلا، لخرج عن كونه قاطعاً. فتأمل.