البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١١٤ - عدم صلاحية الآية المباركة لمعارضة دليل الأخباري
من ذلك، و ليس من شأن النبي (ص) أن يذهب إلى كل مكلّف
واحداً واحداً ليلقي الحجة عليه، بل الله سبحانه و تعالى بعث الأنبياء، و أمرهم بنشر الأحكام و تبليغها إلى العباد، بمعنى: جعلها في معرض الوصول إليهم، فعلى العباد أخذها من النبي و الذهاب إليه لمعرفة تلك الأحكام، فنفس إرسال الرسل و بعث الأنبياء و جعل الأحكام في معرض الوصول إلى المكلّف يكفي لإقامة الحجة على العباد، و إذا كان مفاد الآية- بقرينة ما تقدم- هو كون الغاية هي الصدور لا الوصول، فلا يتم الاستدلال كما تقدم بيان ذلك.
فإن قلت: إنه كما يمكن أن تكون الغاية هي الصدور فلا يتم الاستدلال، كذلك يمكن أن تكون الغاية هي الوصول الذي يتم الاستدلال عليه، فكلا الاحتمالين وارد، وعليه، يحتاج تعيين كون الغاية هي الصدور لا الوصول إلى قرينة حتى يتم إبطال الاستدلال بالآية الكريمة على البراءة الشرعية.
قلنا: إننا مع إيماننا بأن الغاية و بعث الرسل في الآية أخذ كمثال للصدور لا الوصول كما قد بيّنا ذلك، و لكن، لو تنزلنا و قلنا إن ذلك مجرد احتمال، فمع ذلك لا يتم الاستدلال بالآية على المطلوب أيضاً؛ لأن مثل هذا الاحتمال يجعل الآية مجملة من هذه الناحية، و لا مرجح لأحد الاحتمالين على الآخر، و لا تعيّن للوصول إلا بقرينة و المفروض عدمها، و بهذا لا يتم الاستدلال بهذه الآية على البراءة الشرعية [١].
عدم صلاحية الآية المباركة لمعارضة دليل الأخباري:
قوله (قدس) ص ٣٩: «ثم أن البراءة إذا استفيدت من هذه الآية ... إلخ».
ثم إنه حتى على تقدير استفادة البراءة الشرعية من هذه الآية فإنها لا تنفع كدليل
[١] و هذا هو الذي اختاره السيد الشهيد الصدر بحسب ما جاء عنه في تقريرات بحثه حيث قال:) فالآية غاية ما تدل عليه إناطة العقاب بالصدور و التشريع لا بالعلم و الوصول و هو مطلب آخر لا يمكن إحرازه في الشبهات». راجع: بحوث في علم الأصول، ج ٥، ص ٣٤.