البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١١٢ - جواب الاعتراض الثاني
العذاب الأخروي؛ لأن نفي العذاب الدنيوي لا يمنع من كون المكلف مستحقاً للعذاب الأخروي على مخالفة التكاليف المشكوكة على تقدير ثبوتها واقعاً؛ لأن دار العقاب و الحساب الحقيقية هي دار الآخرة لا دار الدنيا كما هو واضح.
و الظاهر من الآية الكريمة أنها ناظرة إلى نفي العذاب الدنيوي لا الأخروي؛ و ذلك بقرينة قوله تعالى: (و ما كنا)، و هذا تعبير بالماضي، و هو لا يناسب العذاب
الأخروي؛ لأنه لا يكون إلا في المستقبل، فيكون معنى الآية: إننا لم نعذب الأمم السالفة قبلكم إلا بعد أن أتممنا عليهم الحجة، و بعثنا إليهم الرسل، و إن العذاب الذي حصل لبعض الأمم السالفة بالخسف أو غيره إنما هو لأجل أنهم لم يرجعوا عن كفرهم و غيهم بعد أن أتممنا عليهم الحجة.
فالآية إذن في مقام الإخبار عن أن العذاب الذي نزل في الأمم السالفة لم يكن إلا بعد قيام الحجة و إتمامها عليهم، فهي إذن أجنبية عن المقام.
جواب الاعتراض الثاني:
قوله (قدس) ص ٣٨: «و منه يظهر الجواب على الاعتراض الثاني ... إلخ».
و يمكن أن يورد على هذا الاعتراض بإيرادين:
الأول: أنه لا يوجد في الآية ما يدل على التقييد بالعذاب الدنيوي إلا ما توهمه البعض من استعمال فعل الماضي، و إن الآية لسانها لسان الإخبار عن العذاب الدنيوي، و هذا التعبير ليس فيه دلالة على ذلك كما بيّنا في النقطة الأولى؛ لأن معنى قوله تعالى: (و ما كنّا): «ليس من شأننا، و ليس من المناسب لنا أن نعذب إلا بعد بعث الرسل و إتمام الحجة و بيان التكليف» و الاستعمال بهذه الطريقة شائع عرفاً، و هو المناسب لمقام الله سبحانه و تعالى، و هذه هي طريقته المناسبة التي تناسب عظمته و شأنه، و نظيرها في الاستعمالات العرفية كثير جداً، فمثلًا يقول الأب لابنه: «ما كنت معاقباً لك عما يصدر منك من دون قصد»، أي: «ليس من شأني أن أعاقبك على ذلك» و كذا لو قلت لصديقك: