البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٧٦ - الثالثة عند التعارض يكون التقديم لصالح دليل البراءة
و بيان ذلك: إنّ النسبة بين الآية القرآنية المتقدمة و دليل الاحتياط هي العموم من وجه؛ إذ كما كانت الآية أعم من ناحية شمولها للتكليف و المال و الفعل و دليل الاحتياط مختص بالتكليف، كذلك توجد جهة أعمية في دليل الاحتياط؛ حيث أنه شامل لحالة ما قبل الفحص أيضاً، بخلاف الآية الكريمة، فإنها تقيد البراءة بما بعد الفحص و لا تكون شاملة لحالة ما قبل الفحص؛ لما قلناه سابقاً، من أن الإيتاء يكفي فيه مرتبة من الوصول و هي جعل التكليف في مظان العثور و معرض الوصول للمكلّف بحيث لو فتش عنه لوجده. و لا يتوقف صدق الإيتاء على الوصول الفعلي للمكلّف، فيكون مفادها البراءة المنوطة بعدم الإيتاء بالمعنى المتقدم للإيتاء، و من المعلوم أنّ إحراز عدم الإيتاء بالمعنى المتقدم لا يكون إلا بعد الفحص و اليأس من العثور على دليل، فهي مختصة بحالة ما بعد الفحص، فتكون أعم من دليل الاحتياط من هذه الناحية، فلكل منهما جهة عموم وجهة خصوص، وعليه، فالنسبة بينهما إذن
هي العموم و الخصوص من وجه لا العموم و الخصوص المطلق.
و أما بالنسبة لحديث الرفع، فالنسبة بينه و بين دليل الاحتياط هي أيضاً العموم من وجه؛ لاختصاص حديث الرفع بالشبهات البدوية و عدم شموله للشبهات المقرونة بالعلم الإجمالي، و شمول دليل وجوب الاحتياط لهما معاً، فيكون حديث الرفع أعم من ناحية شموله للشبهات الموضوعية و الحكمية، و أخص من ناحية عدم شموله لموارد الشك المقرون بالعلم الإجمالي. و دليل الاحتياط أخص من ناحية اختصاصه بالشبهات الحكمية و عدم شموله للشبهات الموضوعية، و أعم من ناحية شموله للشك البدوي و الشك المقرون بالعلم الإجمالي.
فإذا اتضح و تبيّن أن التعارض بينهما بنحو العموم و الخصوص من وجه، فسوف يكون تعارضاً مستقراً، و عندها: إما أن يقدم أحدهما لوجود مرجح بناءً على تمامية روايات الترجيح، و إما أن يقال بالتساقط بناءً على عدم وجود مرجح.