البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٩٧ - الثاني لزوم التسلسل من جعل الاستحباب المولوي للاحتياط
توضيح ذلك:
إن حكم العقل بالحسن و القبح، تارة يكون في مرحلة سابقة على الحكم الشرعي و هو ما يعبّر عنه بالحسن و القبح الواقعان في سلسلة علل الأحكام، مثل: إدراك العقل لحسن الأمانة و الصدق، و إداركه لقبح الظلم، فهو واقع في مرحلة متقدمة على حكم الشارع، حيث إن وجود تلك الأفعال و اتصافها بهذا الوصف أو ذاك و بالتالي حكم العقل بحسن هذا الفعل و قبح ذاك هو ثابت بقطع النظر عن حكم الشارع بالوجوب و الحرمة؛ لأنّ موضوع الحسن و القبح في هذه المرحلة عبارة عن نفس تلك الأفعال التي لا ربط لوجودها و اتصافها بهذا العنوان أو ذاك بحكم الشارع أو عدم حكمه كما هو واضح، فاتصاف فعل بكونه عدلًا أو ظلماً خارجاً، لا ربط له بحكم الشارع أبداً.
و أخرى يكون الحسن و القبح واقعين في مرحلة متأخرة عن الحكم الشرعي، و هو المعبّر عنه بالحسن و القبح الواقعين في سلسلة معلولات الأحكام، من قبيل: حسن الطاعة و قبح المعصية، فإن اتصاف الفعل بكونه طاعة و بالتالي بالحسن و بكونه معصية و بالتالي بالقبح، إنما يكون بعد حكم الشارع و مترتباً عليه؛ إذ بدون ذلك لا معنى للطاعة و المعصية كما هو واضح، فعند ما يحكم الشارع بوجوب فعل أو حرمته، حينئذ يحكم العقل بحسن طاعة ذلك الوجوب و قبح معصيته، فحسن الطاعة و قبح المعصية إذن واقعان في سلسلة معلولات الأحكام، أي: أنهما في مرحلة متأخرة عن الحكم الشرعي، بمعنى أنّ وجود الطاعة أو المعصية في الخارج
منوط بوجود الحكم الشرعي، فيكون معلولًا له [١].
[١] ينبغي الالتفات إلى أن المقصود في المقام ليس هو اثبات الحسن و القبح العقليين في قبال الحسن و القبح الشرعيين، و إنما المقصود هو أن الأفعال التي تقع موضوعاً لحكم العقل بالحسن و القبح، تارة يفترض وجودها و اتصافها بعنوان معيّن، كعنوان الصدق، أو الأمانة، أو العدل، أو الظلم، بقطع النظر عن تعلّق حكم شرعي بها أو عدم تعلّقه، فإن وجود الصدق خارجاً و اتصافه بهذا العنوان لا ربط له بحكم الشارع بوجوب الصدق أو عدم حكمه بذلك.
و تارة أخرى، يفترض توقف وجودها و اتصافها بهذا العنوان أو ذاك على حكم الشارع، بالنحو الذي لو لم يحكم الشارع لما كان ذلك الفعل موجوداً أو متصفاً بذلك العنوان، من قبيل الطاعة و المعصية؛ فإنّ وجود الطاعة أو المعصية خارجاً، و اتصاف هذا الفعل أو ذاك بكونه طاعة أو معصية، متوقف حتماً على حكم الشارع بوجوب فعل أو حرمته حتى يكون الاتيان بالفعل في الأول و تركه في الثاني طاعة لذلك الأمر، أو يكون الاتيان بالفعل في الثاني و تركه في الأول معصية لذلك الأمر، فبدون الحكم الشرعي لا معنى للطاعة و المعصية كما هو واضح.
هذا هو الملحوظ في التقسيم المذكور للحسن و القبح إلى ما كان منهما واقعاً في سلسلة علل الأحكام و إلى ما كان منهما واقعاً في سلسلة معلولات الأحكام، فهو تقسيم في رتبة سابقة على حكم العقل بالحسن و القبح، لا أنه تقسيم بلحاظ نفس الحسن و القبح، و إن كان ينتهي إلى تقسيم الحسن و القبح تبعاً.
و بالتوجه إلى ما ذكرناه، يظهر عدم الدقة فيما ذكره الأستاذ الفاضل سماحة الشيخ الإيرواني حفظه الله في الحلقة الثالثة في أسلوبها الثاني في ج ٣، ص ١٦٧ بقوله:) فإنّ الصدق حسن في نفسه و قبل أن يحكم الشارع بوجوبه»، و هذا الكلام و إن كان صحيحاً و تاماً في نفسه، إلا أنه إنما يصلح في مقام نفي الحسن و القبح الشرعيين، و لا دخل له فيما نحن فيه كما هو واضح؛ إذ المقصود في المقام- و كما ذكرنا- هو أن اتصاف فعل ما بكونه صدقاً، أو عدلًا، أو ظلماً، ثابت في رتبة سابقة على حكم الشارع، و لا يتوقف على حكم الشارع بوجوب ذلك الفعل أو حرمته، و إن كان حكم العقل بحسنه أو قبحه غير موقوف أيضاً على حكم الشارع، إلا أنّ الفرق واضح بين المقامين. فتأمل جيداً.