البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٢١٦ - الأمر الأول منجزية العلم الإجمالي بلحاظ حكم العقل
. ثم إن الكلام في أصل منجزية العلم الإجمالي و مقدار و حدود هذه المنجزية، تارة يكون بلحاظ حكم العقل و القاعدة الأولية و بقطع النظر عن الأصول العملية الشرعية المؤمنة، و أخرى يكون بلحاظ القاعدة الثانوية و الأصول العملية الشرعية المؤمنة من حيث جريانها أو عدم جريانها في أطراف العلم الإجمالي كلًا أو بعضاً. وعليه، فالكلام في أصل منجزية العلم الإجمالي و مقدار هذه المنجزية يقع في ثلاثة أمور:
الأمر الأول: منجزية العلم الإجمالي بلحاظ حكم العقل
قوله (قدس) ص ٧٥: «١- منجزية العلم الإجمالي بقطع النظر عن الأصول ... إلخ».
قبل الدخول في البحث عن أصل هذه المنجزية و مقدار حدودها، لا بد من معرفة أن القاعدة الأولية في فرض الشك بما هو شك و عدم العلم هل هي المنجزية أم هي المعذرية؟ و ذلك لكي يتضح جلياً حدود ما نريد بحثه في هذه النقطة، و على أي مسلك سوف يتجه البحث فيها، لوضوح أن هناك مسلكين مختلفين في تحديد الوظيفة العملية في فرض الشك بلحاظ القاعدة العملية الأولية، فقد ذهب المشهور إلى ثبوت المعذرية استناداً إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان، بينما ذهب السيد الشهيد (قدس) إلى أن الشك في نفسه يقتضي التنجيز، بناء على مسلك حق الطاعة الثابت للمولى سبحانه و تعالى في كل ما ينكشف للمكلف من تكاليف و لو انكشافاً احتمالياً و بمستوى الشك.
و بهذا يتضح أن البحث في هذه النقطة إنما يتجه بناء على مسلك المشهور، القائل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ و ذلك لأن كل شبهة في كل طرف من أطراف العلم الإجمالي تكون- في حد نفسها- مورداً و مصداقاً و فرداً من أفراد الموضوع
في تلك القاعدة، لأن كل طرف بما هو يصدق عليه أنه لم يتم عليه البيان، فيكون مؤمناً عنه بلحاظ تلك القاعدة [١].
[١] إنّ لحاظ كل طرف بما هو، يعني: لحاظه بقطع النظر عن كونه طرفاً للعلم الإجمالي، و هو بهذا اللحاظ لا يختلف عن المشكوك بالشك البدوي من حيث كونه مورداً في نفسه لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، إلا أن لحاظ كونه طرفاً للعلم الإجمالي قد يخرجه عن كونه مورداً لقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و لأجل ذلك وقع البحث في بيان مدى تأثير العلم الإجمالي بالتكليف في ذلك الأمر و بيان حدود و مقدار ذلك التأثير.