البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٧١ - الوجه الأول عدم المقتضي للتحرك
الأولى: أنّ العقاب على مخالفة ما لا مقتضي لإيجاده قبيح؛ و ذلك لأنه ظلم من المولى للعبد، و الظلم قبيح.
الثانية: أنّ التكليف الذي لم يتم عليه البيان لا مقتضي لإيجاده؛ و ذلك لأنّ المقتضي لإيجاد التكليف؛ إما أن يكون التكليف بوجوده الواقعي و بقطع النظر عن وصوله أو عدم وصوله، و إما أن يكون التكليف بوجوده العلمي، أي: فيما إذا علم به المكلف و وصل إليه.
و الأول باطل قطعاً، فيتعيّن الثاني؛ لأن ايجاد ما تعلق به التكليف فرع محركية ذلك التكليف نحو ايجاد ما تعلق به، و التكليف بوجوده الواقعي لا يكون محركاً؛ لأن محركية التكليف فرع العلم به و وصوله إلى المكلف، فمن دون العلم بالتكليف و وصوله إلى المكلف لا محركية لهذا التكليف [١]، و مع عدم المحركية سوف يكون العقاب على المخالفة عقاباً على مخالفة ما لا مقتضي لإيجاده، و هو قبيح.
فينتج: إنّ العقاب على مخالفة التكليف الذي لم يتم عليه البيان قبيح، و هذا هو معنى قبح العقاب بلا بيان [٢].
[١] و قد شبهت محركية التكليف نحو إيجاد الفعل بمسألة الفرار من الأسد؛ فإن من لا يعلم بوجود الأسد في الغابة فإنه لا يتحرك نحو الفرار منه و إن كان الأسد موجوداً فعلًا فيها، و من اعتقد بوجود الأسد فإنه سوف يتحرك نحو الفرار و إن لم يكن الأسد موجوداً فعلًا، و هذا يعني: أن المقتضي للفرار هو الأسد بوجوده العلمي لا الأسد بوجوده الفعلي و الواقعي. و هكذا الحال بالنسبة إلى التكليف، فهو بوجوده العلمي محرك لا بوجوده الفعلي، و هذا هو معنى قبح العقاب بلا بيان
[٢] قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج ٣ ص ٣٦٥:) و أما العقل: فحكمه بالبراءة مما لا يكاد يخفى، لاستقلاله بقبح العقاب بلا بيان واصل إلى المكلف بعد إعمال العبد ما تقتضيه وظيفته من الفحص عن حكم الشبهة و اليأس عن الظفر به في مظان وجوده، و لا يكفى في صحة المؤاخذة و استحقاق العقوبة مجرد البيان الواقعي مع عدم وصوله إلى المكلف، فان وجود البيان الواقعي كعدمه غير قابل لأن يكون باعثا و محركا لإرادة العبد ما لم يصل إليه و يكون له وجود علمي». و نفس الاستدلال قد ورد عن السيد الخوئي أيضاً. راجع: دراسات في علم الأصول، ج ٣، ص ٢٥٨.