البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٧٠ - التعويض عن البراءة الشرعية بالاستصحاب
سابقة له حتى يستصحب، بل المتيقن سابقاً هو عدم فعلية المجعول لأجل عدم تحقق ما هو شرط في الفعلية.
و الفرق بين الوجهين: الأول و الثالث هو أن الشرط في فعلية المجعول الذي يشك في تحققه هو نفس البلوغ في الأول، و هو مقطوع العدم قبل البلوغ، فنقطع بعدم الفعلية. و أما في الثالث، فالشرط الذي يشك في تحققه أمر آخر غير البلوغ، و لكننا نقطع بعدم تحققه سابقاً، و إنما تحقق بعد ذلك، و تحققه لا يوجب القطع بالفعلية؛ لأنه فرع العلم بالجعل، و هو في المقام غير معلوم، فيشك في الفعلية، فيستصحب عدمها الثابت قبل ذلك.
و خلاصة القول: إنه على الوجهين المتقدمين يكون المستصحب عبارة عن عدم المجعول، و الوجه في ذلك هو أن الجعل المشكوك لا حالة سابقة له حتى يكون هو المستصحب، بل الحالة السابقة المتيقنة هي عدم فعلية المجعول، فيستصحب.
و أما الوجه الثاني، فحيث أن المتيقن سابقاً هو عدم الجعل و التشريع؛ لأن الملحوظ فيه زمان ما قبل التشريع، سواء كان في بداية الشريعة حيث أن الأحكام نزلت تدريجاً، أو كان قبل الشريعة أصلًا، و على كلا التقديرين و اللحاظين يكون المكلّف قاطعاً بعدم الجعل؛ لأنه إن كان الملحوظ في الحالة السابقة زمان ما قبل البعثة، فهو واضح، و إن كان الملحوظ زمان بداية الشريعة، فلأن الأحكام نزلت تدريجياً و ليس في آن واحد، فعدم الجعل مقطوع به، فيستصحب، و حيث لا جعل، فلا مجعول، فلا عقاب، و هذا ما نعنيه بالبراءة الشرعية.
و خلاصة القول في المقام: إن الشك في التكليف إنما ينشأ من عدم وصول ما يدل
عليه إثباتاً أو نفياً، و هذا يؤدي إلى الشك في أصل وجود جعل لذلك الحكم المشكوك، فإن كان له حالة سابقة (و هي عدم الجعل) حيث كان الملحوظ في تلك الحالة هو زمان ما قبل التشريع، استصحب عدم الجعل، و بالتالي فلا ثبوت للمجعول، و بالتالي فلا إدانة و لا عقاب.