البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٦٢ - تصوير وقوع الأحكام الظاهرية مورداً للأصول العملية
عنها؛ لما هو معروف من عدم وصول النوبة إلى الأصل العملي مع وجود الدليل المحرز، و إن لم يلزم من جريان الأصل في المقام أي محذور لتطابقهما في النتيجة كما هو واضح.
تصوير وقوع الأحكام الظاهرية مورداً للأصول العملية:
قوله (قدس) ص ٢٢: «و يمكن تصوير وقوع الأحكام الظاهرية ... إلخ».
ينبغي الالتفات إلى أنّ ما ذكر سابقاً لا يعني عدم إمكان افتراض وقوع الأحكام الظاهرية مورداً لجريان الأصول العملية، بل غاية ما انتهينا إليه هو عدم الحاجة إلى إجراء الأصل العملي و هو البراءة الشرعية في خصوص المورد المذكور، و أما في غيره، فإنه يمكن تصوير وقوع الحكم الظاهري مورداً للأصل العملي حتى مع الشك في التكليف الواقعي مع احتمال قيام الحجة الشرعية عليه، كما هو الحال في الاستصحاب، فيما لو علم بالحجية و شك في نسخها [١].
[١] ينبغي الالتفات إلى أنّ الشك في الحجية، تارة يكون بمعنى الشك في حجية أمارة معينة مفادها وجوب فعل معيّن بعد العلم بحجيتها سابقاً، و أخرى، يكون بمعنى الشك في الحجية بنحو الحكم الكلي بعد العلم بها لاحتمال النسخ، كالشك في بقاء حجية الظهور المعلوم حجيته سابقاً. ففي الحالة الأولى، فإنه كما يحصل الشك في الحجية يحصل كذلك الشك في الحكم الواقعي، وعليه، يكون القول بعدم تمامية أركان الاستصحاب في نفس التكليف الواقعي المشكوك مبني على كون الاستصحاب متقوم باليقين بالحدوث لا بنفس الحدوث، و إلا، لكانت أركان الاستصحاب تامة بلحاظه، لأن الحدوث و إن لم يكن متيقناً، إلا أنه قد ثبت بالأمارة التي كنا على يقين من حجيتها سابقاً، و قد تقدم الكلام عن هذا الأمر في بحث الاستصحاب من الحلقة الثانية، و سيأتي في هذه الحلقة أيضاً.
ثم إنّ التكليف الواقعي المشكوك في هذه الحالة و إن لم يكن مورداً في نفسه للاستصحاب لعدم تمامية أركانه فيه، إلا أنه لا شك في أنه مورد في نفسه للبراءة الشرعية، الأمر الذي يعني: أن جريان البراءة عن التكليف الواقعي المشكوك يعارض جريان الاستصحاب في الحجية المشكوكة؛ لأنه بثبوت الحجية بمقتضى الاستصحاب سوف يتنجز مورد تلك الحجية و هو الحكم الواقعي المشكوك، و هو ما يتنافى مع ما دلت عليه البراءة من المعذرية، فيقع التعارض بين دليل البراءة و دليل الاستصحاب.
و أما في الحالة الثانية فالشك في الحجية لا يلازم الشك في تكليف واقعي معيّن، وعليه، تكون أركان الاستصحاب تامة في نفس الحكم الظاهري (أي: الحجية) دون الحكم الواقعي؛ إذ لا حكم واقعي مشكوك في هذه الحالة.