البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١٤٠ - بيان ما هو المختار من الاحتمالات السابقة
منزلة العدم كما هو واضح، الأمر الذي لا ينسجم مع بعض الفقرات الواردة في الحديث، كفقرة (ما لا يطيقون) من جهة أن ما لا يطاق ليس له وجود في الخارج حتى يتعقل رفعه تعبداً و تنزيلًا، و إلا، فلو كان الفعل مما يمكن وجوده في الخارج لكان مما يطاق لا مما لا يطاق، الأمر الذي يعني: عدم إمكان تطبيق هذا الاحتمال على جميع فقرات الحديث، و بهذا يبطل الاحتمال الثالث.
فعندئذ، يدور الأمر بين الاحتمالين الأول و الثاني، فإما أن نلتزم بالتقدير أو أن نقول أن المرفوع من هذه الأشياء وجوداتها التشريعية لا وجوداتها التكوينية.
و الاحتمال الأول أبعد من الاحتمال الثاني؛ و ذلك لأنه يلتزم بالتقدير، فهو خلاف
الأصل، فينفى هذا الاحتمال تمسكاً بأصالة عدم التقدير [١]، وعليه، يتعيّن الاحتمال الثاني، و تكون العناية في نفس المرفوع، بأن يرفع الوجود التشريعي لتلك الأشياء لا وجوداتها الخارجية [٢].
[١] و الوجه في هذه الأصالة: أن الالتزام بالتقدير يعني: افتراض أنّ الألفاظ المذكورة في الكلام لا تفي بمقصود المتكلم و مراده؛ إذ بناءً على هذا سيكون المعنى المقصود أوسع من المعنى المدلول عليه بتلك الألفاظ، بينما القاعدة في التفهيم تقتضي أنّ المتكلم إذا كان قاصداً لتفهيم معنى معيّن، وجب عليه الإتيان باللفظ الدال على ذلك المعنى؛ إذ لا طريق بحسب العادة لاكتشاف ذلك المعنى إلا اللفظ، فإذا لم يأت بذلك اللفظ، كشف ذلك بمقتضى الأساليب العرفية في التفهيم عن عدم إرادته لذلك المعنى المدلول عليه بذلك اللفظ. و من هنا، كان التقدير خلاف الأصل، و لأجل ذلك لا يصار إليه إلا لضرورة.، من قبيل إخراج الكلام عن الكذب أو غير ذلك
[٢] إن قلت: إنه بناءً على هذا الكلام يبطل الاحتمال الثاني أيضاً؛ لأنه رفع للوجود التشريعي لهذه الأشياء لا للوجود التكويني، و الوجود التشريعي لهذه الأمور فرع الوجود الخارجي لها، و ما لا يطاق لا وجود خارجي له.
قلنا: إن الوجود التشريعي لا يتوقف على الوجود الخارجي التكويني لهذه الأشياء؛ فإنّ الوجود التشريعي و كون بعض الأمور موضوعات للأحكام أعم من الفعل و الترك، فقد يكون الترك موضوعاً لحكم من الأحكام، فرفع الوجود التشريعي له يعني نفي موضوعيته في ما لو كان موضوعاً بخلاف تنزيل الوجود منزلة العدم، فهو يتوقف على وجود في الخارج حتى ينزل هذا الوجود منزلة العدم.