البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ١١٧ - تحقيق الحال في هذا الاستدلال
تشريعاته و تكاليفه هو منفعة العباد، فلو كان شيء ما حراماً واقعاً، فلا بد له و حفظاً لغرضه و رحمة و لطفاً بعباده أن يشرع ذلك، و يبيّن لهم ذلك بخطاب يبعثه إلى النبي (ص) لكي يقوم هو بتبليغه إلى العباد.
فمن هنا، نفهم أن عدم وجدان النبي لحرمة شيء معيّن فيما أوحي إليه من المحرمات دليل قاطع على عدم كونه حراماً في الواقع و نفس الأمر، فغاية ما تقتضيه الآية- على هذا- هو إثبات أن ارتكاب ما ليس بحرام واقعاً ليس معصية، فالآية الكريمة بصدد بيان عدم حرمة ما لم يرد فيه تحريم و ليست بصدد بيان أن مشكوك الحرمة فيما لو لم يصل إلى المكلّف لا يجب اجتنابه و يجوز ارتكابه، فالآية ليست بصدد إثبات البراءة و الترخيص في مورد شكّ في حرمته لأجل عدم وصوله.
و ثانياً: إنه حتى لو تنزلنا و سلمنا جدلًا بأن عدم وجدان النبي لا يساوق أو يلازم عدم الحرمة واقعاً، و لو بافتراض أن يكون الشيء حراماً واقعاً و يوجد فيه ما يقتضي تشريع الحرمة، و لكن الله تعالى لم يشرع تلك الحرمة على ذلك الفعل و لو من باب: «اسكتوا عما سكت الله عنه»، و لكن، مع ذلك لا يتم الاستدلال بالآية؛ إذ مما لا إشكال فيه أن عدم وجدان النبي للحرمة دليل قاطع على عدم صدور ما يدل على تلك الحرمة، و إن الله سبحانه و تعالى لم يشرع تلك الحرمة و لم يبرزها بدليل، و هذه الملازمة واضحة بأدنى التفات؛ لأن إنكار هذه الملازمة بين عدم وجدان النبي للحرمة و بين عدم صدور دليل عليها،
يعني: افتراض أنه ربما قد صدر و لكن خفي ذلك على النبي (ص)، و هذا غير معقول؛ إذ كيف يعقل اختفاؤه عليه مع أنه هو الواسطة بين الله و خلقه في تبليغ و بيان الأحكام الإلهية، فعليه، يكون عدم الوصول إلى النبي (ص) دليل على عدم صدوره أصلًا.
بل يوجد في الآية ما يدل على ذلك، و هو إن الله تعالى قال له: «قل لهم إنني
لم أجد فيما أوحي إليّ»، و ذلك يعني: إن هذه الأشياء لم تكن من جملة الأمور التي أوحى الله سبحانه و تعالى لنبيّه بتحريمها، و هذا يعني عدم صدورها من قبل الشارع؛ لأن صدورها