البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤٨ - ما يترتب على هذه التنزيلية من فوائد
و تنزيل الشك منزلة اليقين غير تنزيل المشكوك منزلة المتيقن، فالتنزيل في الوجه الأول كان بلحاظ المشكوك و المتيقن، و هنا بلحاظ نفس الشك و اليقين [١].
و قد أدعى المحقق النائيني- و تبعه السيد الخوئي أيضاً- وجود هذا النوع من التنزيل في دليل الاستصحاب، و أن المجعول فيه هو الطريقية و العلمية، على فرق بين الاثنين؛ حيث اختار المحقق النائيني بأن المجعول في الاستصحاب هو الطريقية و العلمية بلحاظ مرحلة الجري و السلوك العملي، بمعنى أن ما يقتضيه اليقين من موقف و سلوك عملي هو ثابت تعبداً للشك في مورد الاستصحاب، بينما اختار السيد الخوئي (قدس) أن المجعول في الاستصحاب هو الطريقية و العلمية بلحاظ جهة الاحراز و الكاشفية [٢]. بمعنى: أن ما يقتضيه العلم من احراز و كشف عن الواقع ثابت تعبداً للشك في مورد الاستصحاب.
و على هذا، فلم يبق على مسلك السيد الخوئي فرق بين الاستصحاب و الأمارات من ناحية المجعول في كل منهما؛ حيث أن المجعول في كليهما على رأي السيد
الخوئي هو الطريقية و العلمية بلحاظ الكاشفية [٣].
[١] الشك و اليقين من الصفات الحقيقية ذات الإضافة التي تحتاج إلى ما تتعلق به، فيطلق المشكوك على ما تعلق به الشك، و المتيقن على ما تعلق به اليقين. و التنزيل تارة يكون بلحاظ المتعلق كما في الوجه الأول، و أخرى يكون بلحاظ نفس الشك و اليقين كما في الوجه الثاني، و تنزيل المشكوك منزلة المتيقن يكون بلحاظ نفس الحكم الشرعي الواقعي، بينما تنزيل الشك منزلة اليقين يكون بلحاظ الطريق و الكاشف عن الحكم الشرعي
[٢] تقدم في الحلقة السابقة أن للقطع و اليقين جهات متعددة، منها: كاشفيته التكوينية التامة عن الواقع، و منها: اقتضاؤه الجري العملي على وفقه، و منها: كونه صفة نفسانية قائمة في نفس القاطع. و ما ذهب إليه السيد الخوئي هو تنزيل الشك منزلة اليقين بلحاظ الجهة الأولى، و ما ذهب إليه المحقق النائيني هو تنزيل الشك منزلة اليقين بلحاظ الجهة الثانية
[٣] إن قلت: إن المحقق النائيني قد فرق بين الأمارات و الأصول العملية على أساس نوع المجعول في كل منهما، و قال بأن المجعول في باب الأمارات هو العلمية و الطريقية بينما المجعول في باب الأصول العملية هو الوظيفة العملية. و إذا كان الأمر كذلك، فالمفروض أن يلتزم بأمارية الاستصحاب أولًا، و بحجية مثبتاته ثانياً، و الحال أنه لا يلتزم بكلا الأمرين فيه.
كان الجواب: إنّ الطريقية و العلمية التي التزم المحقق النائيني بكونها مجعولة في باب الأمارات، هي غير الطريقية التي يلتزم بجعلها في الاستصحاب؛ فإن الأولى تعني: اعتبار الظن علماً من جهة الإحراز و الكشف عن الحكم الواقعي، بينما طريقية الاستصحاب و علميته إنما هي بلحاظ الجري العملي ليس إلّا، فالمجعول في الاستصحاب هو الوظيفة العملية و لكن مع هذه العناية المذكورة من دون اعتباره كاشفاً عن الواقع و محرزاً له، و هذا المعنى لا يقتضي كون الاستصحاب أمارة كما هو واضح، كما أنه لا يقتضي أيضاً حجية المثبتات في الاستصحاب؛ لأن ترتيب آثار العلم الوجداني على غير العلم إنما يكون بتنزيله منزلة العلم من جهة الكشف و الإحراز لا غير.
نعم، لو التزمنا بذلك و قلنا بأن مثبتات الأمارات حجة من باب أن العلم بالشيء علم بلوازمه كما عليه المحقق النائيني، لاقتضى ذلك أن تكون مثبتات الاستصحاب حجة على رأي السيد الخوئي فيما يرتبط بالاستصحاب، حيث التزم بأن المجعول فيه هو العلمية و الطريقية بلحاظ جهة الكشف و الإحراز. إلا أن السيد الخوئي لا يقول بحجية مثبتات الأمارات على الرغم من التزامه بأن المجعول فيها هو العلمية و الطريقية من جهة الكشف؛ لعدم التزامه بمقولة أن العلم بالشيء علم بلوازمه في مورد العلم التعبدي.