البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٧٨ - الوجه الرابع عدم وصول التكليف مساوق لعدم التكليف
تكليف في حالة عدم الوصول لكي يبحث عن قبح العقاب على مخالفته أو عدم قبحه [١].
و قد انطلق المحقق الأصفهاني في ذلك من مبنى له في حقيقة التكليف، و هو أنّ التكليف الحقيقي متقوم بالوصول الفعلي للمكلف، فمع عدم الوصول لا تكليف حقيقي أصلًا؛ فإن التكليف منه ما هو إنشائي و ما هو حقيقي.
و المقصود بالتكليف الإنشائي هو ما يوجد بالجعل و الانشاء في عالم الجعل و الاعتبار، و التكليف بهذا المعنى غير متقوم بالوصول، بل هو متقوم بجعله و إنشائه من قبل الجاعل؛ فإنّ التكليف بلحاظ هذه المرحلة لا ربط له بوصوله أو عدم
وصوله إلى المكلف أصلًا.
و أما التكليف الحقيقي فهو ما كان إنشاؤه بداعي البعث و التحريك، و التكليف بهذا المعنى متقوم بالوصول قطعاً؛ لأنّ الهدف من جعل التكليف بداعي البعث و التحريك هو حصول الانبعاث نحو الفعل، و هذا لا يتحقق إلا بعد وصول التكليف؛ إذ لا يعقل أن يكون التكليف بمجرد إنشائه باعثاً للمكلف و محركاً له نحو إيجاد الفعل، و إنما يكون كذلك بوصوله إليه.
فكما أن بعث العاجز غير معقول، فكذلك بعث الجاهل، و كما يختص التكليف
[١] اعلم أنّ المحقق الأصفهاني لم يكن هنا بصدد الاستدلال على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، بل مقصوده من هذا الكلام إثبات عدم العقاب مع عدم البيان لعدم تحقق المخالفة لما هو مناط العقاب و هو التكليف الحقيقي، لا أنه يريد أن يثبت عدم العقاب بملاك القبح الذي هو مفاد قاعدة قبح العقاب بلا بيان، و هذا ما أشار إليه في نهاية الدراية، ج ٤، ص ٨٣ بقوله:) إلا أن العقاب لعدم التكليف أمر، و عدم العقاب لعدم وصوله أمر آخر، و ما هو مفاد قاعدة قبح العقاب بلا بيان هو الثاني دون الأول». وعليه، فلا وجه لعد هذا الوجه من الوجوه التي يستدل بها على قاعدة قبح العقاب بلا بيان؛ لأنّ موضوع القاعدة المذكورة هو مخالفة التكاليف التي لم يتم عليها البيان، و وفقاً لهذا الوجه لا وجود لمثل تلك التكاليف، و معه، فلا معنى للمخالفة أصلًا.