البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٦١ - الوجه الثاني عدم الحاجة إلى إجراء براءة ثانية و إن لم يكن فيها محذور
و لو تأملنا في هذه الأحكام الثلاثة، لوجدنا أن البراءة عن التكليف الواقعي و الحجية المشكوكة حكمان ظاهريان عرضيان، و ذلك لوحدة موضوعهما كما هو واضح و هو الشك في التكليف الواقعي، بينما نجد أن البراءة عن الحجية المشكوكة ليست في درجة الحجية المشكوكة؛ لأن موضوع البراءة المذكورة هو الشك في
الحجية، بينما موضوع الحجية المشكوكة هو الشك في التكليف الواقعي.
ثانياً: إنّ الحكمين الظاهريين المختلفين متنافيان و متضادان بوجوديهما الواقعيين، سواء وصلا إلى المكلف أم لم يصلا، كما تقدم بيان ذلك في بحث الأحكام الظاهرية.
ثالثاً: على ضوء ما تقدم في الفقرتين أولًا و ثانياً، يثبت أنّ البراءة عن التكليف الواقعي المشكوك منافية ثبوتاً للحجية المشكوكة؛ لاستحالة ثبوتهما معاً كما هو واضح.
رابعاً: إن مقتضى المنافاة بين الحكمين هو أن ثبوت أحدهما يستلزم عدم ثبوت الآخر كما هو شأن كل متضادين وجوداً، الأمر الذي يعني: أن ثبوت البراءة يستلزم عدم الحجية، و ثبوت الحجية يستلزم عدم ثبوت البراءة.
خامساً: على ضوء ما تقدم في الفقرة (رابعاً)، يثبت أنّ الدليل الدال على أحد الحكمين الظاهريين المتنافيين يدل بالدلالة الالتزامية على نفي الحكم الآخر. فالدليل الدال على البراءة عن التكليف الواقعي المشكوك، و هو: «رفع عن أمتي ما لا يعلمون» أو غيره، يدل بالدلالة الالتزامية على نفي الحجية المشكوكة.
و ينتج عن جميع ما تقدم: إننا بإجراء البراءة عن التكليف الواقعي المشكوك سوف نثبت بالدليل المحرز نفي الحجية المشكوكة [١]. و معه فلا حاجة لإجراء أصل
البراءة
[١] إن قلت: سلمنا أنّ الدليل الدال على أحد الحكمين المتنافيين يدل بالدلالة الالتزامية على نفي الآخر، إلا أنه كما يمكن نفي الحجية المشكوكة بدليل البراءة عن التكليف الواقعي المشكوك، كذلك يمكن نفي البراءة المذكورة بالدليل الدال على حجية مشكوك الحجية، و معه، لا يكون الوجه المتقدم تاماً.
كان الجواب: إننا لا ننكر أن الدليل الدال على حجية مشكوك الحجية يدل بالدلالة الالتزامية على نفي البراءة عن التكليف الواقعي المشكوك، إلا أننا لا نملك مثل هذا الدليل، و إلا، كان خارج فرض مسألتنا المطروحة للبحث، و التي هي عبارة عن الشك في التكليف الواقعي مع الشك في قيام الحجة الشرعية عليه؛ لأنه مع وجود مثل هذا الدليل سوف لا يكون هناك شك في الحجية كما هو واضح، و أما بالنسبة إلى الدليل الدال على البراءة الشرعية فهو مفروغ عن ثبوته و عن شموله لمورد الشك في التكليف الواقعي، و إنما الكلام في مدى شموله أو عدم شموله لمورد الشك في الحكم الظاهري، من قبيل: الشك في الحجية كما هو مفروض المسألة، و لأجل ذلك قلنا بأننا سنثبت بالدليل نفي الحجية المشكوكة.