البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤١ - ما يمتاز به كل من الأصلين عن الآخر
لا يعقل التعارض بين حكمين عقليين في مقام الثبوت، و حيث أنّ مقام الإثبات في الأحكام العقلية هو عين مقام الثبوت، و الذي هو ليس هو إلا إدراك العقل، فهذا يعني: أن افتراض التعارض في مقام الإثبات يعني: افتراض ادراكين عقليين متناقضين، و من المعلوم: أنه لا تناقض بين ادراكين
عقليين [١].
و أما بالنسبة إلى الأصول العملية الشرعية، فكذلك لا يعقل التعارض بينها ثبوتاً؛ لعدم إمكان تصور صدور وظيفتين متنافيتين من الشارع و ذلك للتنافي و التضاد بين الأحكام الظاهرية [٢]، إلا أنه يعقل التعارض فيما بينها إثباتاً بحسب لسان أدلتها، فقد يأتي دليل شرعي يدل على أنّ الوظيفة تجاه الشك في التكليف هي البراءة الشرعية و يأتي دليل آخر يدل على أن الوظيفة هي الاحتياط الشرعي، و علاج ذلك يتم وفقاً لقواعد باب التعارض بين الأدلة.
خامساً: إنّ الأصول العملية العقلية- باعتبارها من مدركات العقل العملي- لا يعقل التصادم بينها و بين الأصول العملية الشرعية [٣] بحيث يحكم الشارع بما ينافي
ما أدركه
[١] و ببيان آخر نقول: إنّ التعارض في مقام الإثبات يعني التنافي بين دليلين يثبت كل منهما حكماً منافياً للحكم الذي يثبته الدليل الآخر مع وحدة الموضوع في الحكمين، و حيث أنّ الدليل الدال على ثبوت الحكم لموضوعه في القضايا العقلية ليس هو إلا إدراك العقل، فعليه، لا يعقل التعارض بين دليلين عقليين في مقام الإثبات؛ لأنه لا يعقل التناقض بين إدراكين عقليين.
[٢] و قد تقدمت الإشارة إلى هذا المعنى في القسم الأول من هذه الحلقة عند البحث في التنافي بين الأحكام الظاهرية، و قد ذكرنا هناك بأن الأحكام الظاهرية متنافية فيما بينها بوجوداتها الواقعية فضلًا عن وجوداتها الواصلة، فكما أنّ الأحكام الواقعية متضادة فيما بينها فكذلك الأحكام الظاهرية. فراجع
[٣] ينبغي الالتفات إلى أنّ مرتبة الأصول العملية العقلية متأخرة عن مرتبة الأصول العملية الشرعية و في طولها، بمعنى: أنه لا موضوع لحكم العقل مع فرض وجود الأصول العملية الشرعية. و الوجه في ذلك، هو: أنّ الأصول العملية الشرعية ناظرة إلى تكاليف المولى و أغراضه الواقعية، بينما الأصول العملية العقلية ناظرة إلى حدود حق الطاعة في تلك التكاليف و الأغراض. و من المعلوم: أنّ موضوع حق الطاعة و حدوده هو عبارة عن تكاليف المولى، فإذا بيّن الشارع حدود حق طاعته في تكاليفه من خلال الأصول العملية الشرعية فسوف ينتفي موضوع حكم العقل، الأمر الذي يعني: أنّ الأصول العملية العقلية متفرعة دوماً على الأصول العملية الشرعية نفياً أو إثباتاً، و لأجل ذلك قلنا بأنّ حكم العقل بمنجزية الاحتمال معلق على عدم ورود الترخيص الشرعي بترك التحفظ و الاحتياط، الأمر الذي يعني: استحالة وقوع التعارض فيما بينها.