البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٣ - رابعاً مورد جريان الأصول العملية الشرعية
رابعاً: مورد جريان الأصول العملية الشرعية
قوله (قدس) ص ١٨: «لا شك في جريان الأصول العملية الشرعية ... إلخ».
قد يبدو لأول وهلة الاستغراب من العنوان المذكور، باعتبار أنه أصبح واضحاً و جلياً أنّ مورد جريان الأصول العملية هو الشك في الحكم الشرعي، إلا أنه بالالتفات قليلًا إلى المقصود من البحث في المقام سوف يزول الاستغراب، ذلك أنّ الشك في الحكم الشرعي، تارة يكون بمعنى: الشك في الحكم الواقعي، و أخرى يكون بمعنى: الشك في الحكم الظاهري المجعول في مورد ذلك الحكم الواقعي، فإنّ الأحكام الظاهرية أحكام شرعية قد يقع الشك فيها كما يقع الشك في الأحكام الواقعية، فقد يحصل لنا الشك في التكليف الواقعي و الشك- أيضاً- في قيام الحجة الشرعية على ذلك التكليف الواقعي بنحو الشبهة الموضوعية، كالشك في أصل صدور الحديث الدال على ذلك الحكم الواقعي أو عدم صدوره، أو بنحو الشبهة الحكمية، كالشك في حجية الأمارة المعلوم وجودها و الدالة على ذلك الحكم الواقعي.
فلو شككنا في وجوب صلاة الجمعة و شككنا أيضاً في قيام الحجة الشرعية على ذلك الوجوب إما بنحو الشبهة الموضوعية، كما لو حصل الشك في أصل صدور حديث يدل على وجوب صلاة الجمعة، بحيث لو فرض صدور هذا الحديث لكان حجة و لتنجز علينا وجوب صلاة الجمعة، و إما بنحو الشبهة الحكمية كما لو حصل الشك في حجية حديث واصل إلينا مفاده وجوب صلاة الجمعة، فلا شك هنا في جريان الأصول العملية الشرعية بالنسبة إلى الشك في الحكم التكليفي الواقعي و هو الوجوب بحسب الفرض، بهدف تنجيزه كما في أصالة الاحتياط، أو بهدف التعذير عنه كما في أصالة البراءة. و أما بالنسبة إلى الحكم الظاهري و الحجية المشكوكة [١]، فهل تكون مورداً
[١] إن قلت: إنه قد تقدم في الحلقة الثانية و في هذه الحلقة أيضاً أن الأصل عند الشك في الحجية هو عدم الحجية، فأي معنى يبقى للكلام عن جريان البراءة عن الحجية المشكوكة أو عدم جريانها؟
كان الجواب: إنّ المبحوث عنه فيما مضى يختلف عن البحث فيما نحن فيه الآن، فإن الأصل في قولهم:) إنّ الأصل عند الشك في الحجية هو عدم الحجية»، لم يقصد به الأصل العملي كالبراءة أو غيرها، بل المقصود به القاعدة في الشيء بحسب طبعه و ذاته، فهو نظير ما يقال من أنّ مقتضى القاعدة في الظن بذاته و بما هو ظن هو عدم الحجية. و أما (الأصل) فيما نحن فيه، فالمقصود به الأصل العملي الشرعي من قبيل: البراءة الشرعية.