البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥١ - المعنى الآخر للأصول العملية المحرزة
و الأول هو الأصل العملي البحت أو غير المحرز، و الثاني هو الأصل العملي المحرز [١]. و مثاله قاعدة الفراغ الملحوظ في جعلها- مضافاً إلى أهمية نفس المحتمل- قوة احتمال مطابقته للواقع، و لأجل هذا كانت أصلًا عملياً محرزاً.
و هذه المحرزية و إن لم يترتب عليها كون القاعدة المذكورة حجة في مثبتاتها كغيرها من الأصول العملية غير المحرزة بهذا المعنى، إلا أنّ استظهار هذا النحو من المحرزية من دليل القاعدة يترتب عليه في مقام تطبيقها عدم شمولها لموارد انعدام الأمارية و الكشف نهائياً؛ لأنّ إحراز جريانها في هذا المورد أو ذاك يتوقف على إحراز موضوعها في ذلك المورد، و الحال أنه قد أخذ في موضوعها جهة الإحراز و الكشف عن الواقع و إن كان بنحو جزء الملاك، فإذا انعدمت هذه الجهة في مورد معيّن فلا وجه لجريان القاعدة في ذلك المورد.
و من هنا يقال بعدم جريان قاعدة الفراغ في موارد العلم بعدم التذكر حين العمل الذي فرغ عنه؛ إذ لا كشف للفراغ في هذه الحالة عن تمامية العمل و عدم نقصانه من باب غلبة الانتباه و الالتفات حين العمل الذي أخذ في موضوع القاعدة المذكورة، و ذلك للعلم بعدم الالتفات في الحالة المذكورة [٢].
[١] هذا هو مقتضى التمييز بينهما بلحاظ عالم الثبوت دون النظر إلى عالم الإثبات، و هو ما أشار إليه السيد الشهيد بقوله:) فإن أريد التمييز في مرحلة الثبوت بين الأصلين، فالتمييز بينهما يمكن أن يكون بما تقدمت الإشارة إليه إجمالًا في بحث الحكم الظاهري، من أنّ الحكم الظاهري إذا كان قد جعل على أساس الترجيح بملاك نوعية المحتمل محضاً، فهو أصل غير تنزيلي، و أما إذا كان على أساس الترجيح بملاك نوعية المحتمل مع مراعاة كاشفية الاحتمال، فهو أصل تنزيلي». راجع: بحوث في علم الأصول، ج ٥، ص ١٧
[٢] لا يقال: إنه بناءً على ذلك يمكن أيضاً القول بعدم جريان قاعدة الفراغ في موارد عدم العلم بالتذكر و الالتفات أثناء العمل، بحيث لا يدري المكلف هل كان ملتفتا أثناء عمله أم كان غافلًا؛ فإن المكلف بعد الانتهاء من عمله، تارة يعلم بأنه كان ملتفتاً أثناء العمل، و أخرى يعلم بأنه لم يكن ملتفتاً بل كان غافلًا، و ثالثة لا يعلم بأي واحد من الأمرين بل يكون شاكاً في ذلك، وعليه، فالمفروض أن ينحصر مورد جريان القاعدة بحالة العلم بالتذكر؛ لأنه في حالة الشك و عدم العلم بالتذكر و الالتفات أثناء العمل لم يحرز وجود ملاك قاعدة الفراغ الذي هو الأساس في جريانها.
كان الجواب: إن تقسيم حالات الإنسان من حيث العلم أو عدم العلم بالالتفات أثناء العمل إلى هذه الصور الثلاث و إن كان تقسيماً صحيحاً في نفسه، إلا أنه بلحاظ الشك في التمامية و النقصان لا وجود إلا لصورتين، هما: صورة العلم بعدم التذكر، و صورة الشك في التذكر و الالتفات. أما صورة العلم بالتذكر، فهي تعني العلم بالتمامية و عدم النقصان، أو العلم بالنقصان، و معه، فلا وجود للشك بعد الفراغ كما هو واضح، وعليه فلا معنى للقول بجريان قاعدة الفراغ في حالة العلم بالتذكر و الالتفات أثناء العمل فضلًا عن القول بانحصارها بهذه الصورة؛ و ذلك لعدم موضوعها و هو الشك بعد الفراغ.
و أما القول بعدم جريان قاعدة الفراغ في موارد عدم العلم بالتذكر و الالتفات أثناء العمل، بدعوى: عدم إحراز وجود ملاك قاعدة الفراغ في الموارد المذكورة، فهو مبني على الدعوى المذكورة و هي واضحة البطلان؛ إذ الملاك في القاعدة المذكورة هو غلبة الالتفات أثناء العمل لا الالتفات الفعلي؛ لوضوح أنّه لا يجتمع مع الشك كما بيّنا، بخلاف غلبة الالتفات، فإنها لا تنافي الشك في الالتفات أو عدم الالتفات، وعليه يكون ملاك القاعدة محرزاً في الصورة المذكورة، بل هي القدر المتيقن، و إلا أصبحت قاعدة الفراغ بلا مورد أصلًا. فدقّق جيداً و لا تغفل.