البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٥٥ - الأول الحاجة إلى إجراء براءتين
إجراء براءتين، إحداهما: عن الوجوب الواقعي المشكوك، و الأخرى عن الحجية المشكوكة؛ و ذلك لأنه يوجد لدينا في المقام احتمالان صالحان للتنجيز، و هما: احتمال الوجوب الواقعي، و احتمال قيام الحجة الشرعية عليه. فنحتاج إلى مؤمن شرعي عن كل منهما.
و لنسمّ احتمال الوجوب الواقعي بالاحتمال البسيط؛ لأننا لا نحتمل إلا التكليف الواقعي، و أما احتمال قيام الحجة الشرعية عليه، فلنسمّه بالاحتمال المركب؛ لأننا نحتمل- مضافاً إلى احتمال الوجوب الواقعي بسبب احتمالنا لقيام الحجة الشرعية عليه [١]- اهتمام المولى بذلك الوجوب الواقعي و عدم رضاه بتفويته على تقدير
ثبوته؛ لأنّ الحجية حكم ظاهري، و قد تقدم أنّ الأحكام الظاهرية تبرز شدة اهتمام المولى بالتكليف الواقعي المشكوك، فيكون معنى احتمال قيام الحجة الشرعية على التكليف الواقعي المشكوك، هو: احتمال تكليف واقعي متعلق لاهتمام المولى الشديد و عدم قبوله بتفويته و تضييعه.
و ما دام كل من هذين الاحتمالين صالح في نفسه للتنجيز، فهذا يعني: أنّ جريان البراءة الشرعية عن الاحتمال البسيط لا تكفي في اثبات التأمين، بل لا بد من التأمين من ناحية الاحتمال المركب أيضاً، فنحتاج إلى براءة ثانية.
[١] إن احتمال قيام الحجة الشرعية على التكليف الواقعي يوجب قطعاً احتمال التكليف الواقعي، و ذلك للتلازم بين الاحتمالين، فإنه مع العلم بعدم التكليف الواقعي نعلم بعدم الحجية؛ إذ لا مجال للحجية المجعولة مع العلم بالواقع كما هو واضح، و لأجل انضمام احتمال التكليف الواقعي إلى احتمال قيام الحجة الشرعية عليه، سمي هذا الاحتمال بالاحتمال المركب، و هما: احتمال التكليف، و احتمال أهميته على تقدير ثبوته. و أما احتمال التكليف الواقعي، فقد يكون مع عدم احتمال قيام الحجة الشرعية عليه، و لأجل ذلك سمي بالاحتمال البسيط.
و بعبارة أخرى: إننا تارة نحتمل التكليف الواقعي مع عدم احتمال كونه بدرجة من الأهمية على تقدير ثبوته، و هذا هو الاحتمال البسيط، و أخرى نحتمل التكليف الواقعي و نحتمل معه أنه بدرجة من الأهمية، و هذا هو الاحتمال المركب.