البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤٢ - ما يمتاز به كل من الأصلين عن الآخر
العقل العملي من وظيفة عملية أو بالعكس؛ و ذلك لاستحالة أن يصدر من الشارع ما ينافي حكم العقل أو أن يحكم العقل بما ينافي حكم الشارع. و هذه قاعدة عامة لا اختصاص لها بالمقام.
وعليه، فإن كانا مختلفين في التنجيز و التعذير بحيث يحكم العقل بمنجزية الاحتمال بينما يحكم الشارع بمعذريته، فحينئذ إن كان الأصل العملي الذي يحكم به العقل بالاحتياط معلقاً على عدم ورود الترخيص الشرعي في ترك التحفظ و الاحتياط، كان ما حكم به الشارع من معذرية وارداً على حكم العقل و نافياً لموضوعه؛ لأنه قد أخذ فيه عدم صدور الترخيص من الشارع و هو ينتفي بصدور هذا الترخيص، و إن لم يكن معلقاً على ذلك، بل كان مطلقاً من هذه الناحية، امتنع ثبوت الأصل العملي الشرعي في مورده [١].
[١] فإن قلت: إنّ الامتناع المذكور إنما هو بسبب استحالة أن يحكم الشارع بما يتنافى مع ما يحكم به العقل، الأمر الذي يعني: أن حكم أحدهما ينفي حكم الآخر؛ لعدم إمكان الالتزام بكلا الحكمين المتنافيين. وعليه، فكما يمكن افتراض امتناع ثبوت الأصل الشرعي في ذلك المورد، كذلك يمكن افتراض امتناع ثبوت الأصل العقلي.
كان الجواب: إنه مع فرض تنافي الحكمين لا يمكن حصول القطع بهما معاً؛ لأنّ القطع بثبوت أحدهما يؤدي قطعاً إلى القطع بعدم ثبوت الآخر، و من الواضح: أنّ ثبوت الأصول العملية الشرعية مرتبط بعالم الإثبات و الدلالة بعد فرض إمكان ذلك و عدم امتناعه، و من المعلوم أن إثبات إمكان ذلك و عدمه مرجعه إلى حكم العقل، فإذا فرض أن العقل يحكم بمنجزية الاحتمال مطلقاً لا معلقاً على عدم ورود الترخيص الشرعي، فإنه بنفس هذا الحكم قد حكم بامتناع صدور الترخيص الشرعي، و لأجل ذلك قلنا بأن حكم العقل إذا لم يكن معلقاً امتنع ثبوت الأصل الشرعي المخالف له. فتدبّر.