البيان المفيد في شرح الحلقة الثالثة - المنصوري، الشيخ أياد - الصفحة ٤٤ - ثالثاً تقسيم الأصول العملية الشرعية إلى تنزيلية و محرزة
بحيث لا يكون لطبيعة تلك الأحكام الواقعية و نوعها أي تأثير في جعل الوظيفة العملية سوى التنجيز و التعذير الذي تشترك فيه جميع الأصول
العملية.
فإن كانت الأصول العملية الشرعية معبرة فقط عن مجرد وظائف عملية بلسان إنشاء حكم تكليفي ترخيصي أو إلزامي بدون نظر بوجه إلى الأحكام الواقعية سوى التنجيز و التعذير، فهي أصول عملية بحتة؛ إذ لا يوجد فيها غير تقرير الوظيفة العملية تجاه الواقع المشكوك لا أكثر كما هو الحال في أصالة الإباحة بحسب ما صرّح به المحقق النائيني [١].
و أما الأصول العملية الشرعية التي تبذل فيها عناية إضافية غير مجرد تقرير الوظيفة العملية، و هي تطعيمها بالنظر إلى الأحكام الواقعية، فهي أصول عملية شرعية تنزيلية أو محرزة حسب طبيعة تلك العناية الإضافية، فإن العناية الإضافية في المقام يمكن تصويرها بوجهين [٢]:
الوجه الأول: أن يجعل الحكم الظاهري المعبر عن تلك الوظيفة العملية بلسان تنزيله منزلة الحكم الواقعي، و ذلك بتنزيل المشكوك منزلة المتيقن و التعامل مع المشكوك كما لو كان متيقناً بلحاظ كل ما لذلك المتيقن من آثار مجعولة، كما قد يقال [٣]
[١] قال المحقق النائيني في فوائد الأصول، ج ٣، ص ٤٤٧:) و لكن أصالة الإباحة ليست من الأصول التنزيلية، بل مفادها مجرد الرخصة في الفعل مع حفظ الشك من دون البناء على كون أحد طرفيه هو الواقع»
[٢] هذا النحو من التفريق و التمييز بين الأصل التنزيلي أو المحرز و غيره، اعتبره السيد الشهيد تمييزاً بلحاظ عالم الإثبات، فيكون التفريق بينهما على أساس دليل الاعتبار و لا ربط له بعالم الثبوت و كيفية جعل كل منهما. راجع: بحوث في علم الأصول، ج ٥، ص ١٧
[٣] بل قيل بذلك فعلًا، و القائل هو المحقق العراقي حيث جاء عنه أنه قال:) و الظاهر: انه لا مجال للمصير في قاعدة الطهارة إلى مجرد جعل الطهارة في مرتبة الشك بها بلا نظر فيه إلى إثبات الواقع؛ إذ بعد كون مقتضى ظهور كبرى دخل الطهارة في شيء هو الطهارة الواقعية لو كان مفاد القاعدة إثبات مجرد الطهارة الظاهرية لا يكاد يثبت بمثله الكبرى الواقعية، مع أن بناءهم على إحرازها بها فيجرون القاعدة في ماء شك في طهارته فيتطهر به حدثا و خبثا». راجع: مقالات الأصول، ج ١، ص ٢٨٤. و قال أيضاً في ج ٢، ص ١٤٢:) و لقد شرحنا في ذيل مبحث الإجزاء أن مثل قاعدة الطهارة، بقرينة فهم الأصحاب، لا بد و أن يكون من الأصول التنزيلية، و حينئذٍ، ربما تقتضي وحدة اللسان بينهما حمل قاعدة الحلية- أيضاً- على الأصول التنزيلية».