شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٠٣ - الفصل السابع فى بيان أوّل درجات حركات العارفين و هو الإرادة
و التّحقيق في هذا الباب أنّ طالبى [١] هذه الطّريقة على أربعة أقسام: [٢]
أحدها [٣]؛ الّذين مارسوا العلوم الإلهية، و اجتهدوا في طلبها و الوصول إلى دقائقها [٤] بالأنظار الدّقيقة و الأفكار العميقة، فحصل لهم شوق شديد و انجذاب تامّ إلى الجانب [٥] الأعلى. فحملهم حبّ الاستكمال في ذلك على [٦] الرّياضة.
و ثانيها؛ النّفوس الّتى مالت بأصل فطرتها و [٧] غريزة جوهرها إلى ذلك الجانب من غير أن يتعلّموا علما، أو مارسوا بحثا و نظرا، حتّى أنّهم في حال ساذجيّتهم متى سنح لهم انقطاع قليل عن المحسوسات إمّا في سماع، أو فكر [٨] قليل، استولى الوجد [٩] عليهم و اشتدّ الحنين [١٠] فيهم [١١]. و غشيهم من الأحوال النّفسانيّة و السوانح القدسيّة ما يذهلهم عن الجسمانيّات و علائقها.
و ثالثها؛ النّفوس الموصوفة بالصّفتين [١٢] جميعا، أعنى [١٣] الّتى [١٤] تكون بأصل فطرتها جبلّت على الحنين إلى جناب العزّة، ثمّ استكمل ذلك الشّوق بالارتياض بالمعالم الإلهيّة و المباحث الحقيقيّة.
و رابعها؛ النّفوس الخالية عن الصّفتين، إلّا [١٥] أنّها لكثرة سماعها كمال هذه الطّريقة، و أنّ قصارى السعادة البشريّة و ملاك البهجة الإنسانيّة مرتبط بها، مالت إليها و اعتقدت فيها.
فهذه أقسام أربعة لطالبى هذه الطّريقة لا مزيد عليها. و الرّياضة اللّائقة بكلّ واحد منها غير اللّائقة بالأخرى. و نحن نشير إلى معاقد قواعدها [١٦]، لكن بعد تقديم مقدّمتين:
فالمقدّمة الأولى؛ أنّ النّفحات الإلهيّة دائمة مستمرّة، و أنّ كلّ من توصّل إليها وصل إليها.
على ما [١٧] قال [١٨] سبحانه: «وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا» [١٩].
المقدّمة الثّانية؛ أنّا بيّنّا في سائر كتبنا أنّه ما قامت دلالة ألبتّة [٢٠] على اتّحاد النّفوس البشريّة في النّوع، بل الظّنّ [٢١] الغالب أنّها قد تكون مختلفة. و إذا كان كذلك فربّما كان بعض النّفوس مستعدّا
[١] - طالبى: ظاهر مج.
[٢] - أربعة أقسام: أقسام أربعة ط، م.
[٣] - أحدها:- س.
[٤] - دقائقها: حقائقها ط، م.
[٥] - الجانب: الجناب ط.
[٦] - على: إلى ط.
[٧] - و: أو ط، م.
[٨] - أو فكر: و إمّا في فكر س.
[٩] - الوجد:+ و الفكر ط.
[١٠] - الحنين: الحزن مص.
[١١] - فيهم: منهم مج.: إليهم ط.
[١٢] - بالصّفتين: بالوصفين مص.
[١٣] - أعنى: أعلى مج.
[١٤] - الّتى: من الّتى مج.: أن ط، م، مص.
[١٥] - الصّفتين إلّا: الوصفين ثمّ مص.
[١٦] - قواعدها: قواعدهما م، مج.
[١٧] - على ما:- س.
[١٨] - قال:+ اللّه س.
[ (١٩) - و الذين ... سبلنا: سورة ٢٩ (العنكبوت)؛ آية ٦٩]
[٢٠] - ألبتة:- س.
[٢١] - الظنّ:- مج.