شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٤٨ - الفصل الحادى عشر الدّليل على تناهى الأبعاد
الصّورة إلّا لمادّتها [١]، فتكون مفارقة و غير مفارقة؛ هذا محال. و إذا عرفت ذلك فالشّيخ لمّا أراد أن يعوّل على هذه الحجّة في بيان امتناع وجود المقادير و الصّور المباينة عن الموادّ، لا جرم احتاج إلى تقديم البرهان على تناهى الأبعاد.
و اعلم أنّ الحجّة المذكورة ههنا على تناهى الأبعاد [٢] مبنيّة على مقدّمات [٣] لا بدّ من تقريرها [٤] أوّلا، ثمّ بناء الحجّة عليها ثانيا.
فأوّلها؛ أنّ الأبعاد الغير المتناهية لو لم تكن ممتنعة لصحّ أن يخرج من نقطة واحدة امتدادان غير متناهيين لا يزال البعد بينهما يتزايد، مثل ساقى مثّلث يمتدّان [٥] إلى غير النّهاية.
و ثانيها؛ أنّه يجوز أن يوجد بين [٦] ذينك الامتدادين أبعاد تتزايد بقدر واحد من الزّيادات، مثل أن يكون البعد الأوّل ذراعا، و الثّانى يكون [٧] زائدا على الأوّل بنصف ذراع، و الثالث يكون زائدا على الثّانى بنصف ذراع [٨]، و هلم جرّا على هذا التّرتيب إلى غير النّهاية [٩]. و إنّما احتجنا في هذه الحجّة إلى فرض أن تكون تلك الزّيادات بأسرها على قدر واحد؛ لأنّا نريد أن نقول: إنّ الامتدادين لو كانا غير متناهيين لكانت الأبعاد المفترضة بينهما غير متناهية، فكانت الزّيادات الحاصلة على البعد الأوّل غير متناهية. ثمّ نبيّن أنّ تلك الزّيادات بأسرها لا بدّ و أن تكون موجودة في بعد واحد من الأبعاد المفترضة بين ذينك الامتدادين، و البعد الّذى يوجد فيه أبعاد متساوية غير متناهية لا بدّ و أن يكون غير متناه. فذلك البعد مع كونه محصورا بين حاصرين يكون غير متناه؛ و ذلك محال.
ثمّ إنّ هذا الخلف لا يلزم إلّا إذا فرضنا [١٠] تلك الزّيادات متساوية، فأمّا لو لم يقدر [١١] كونها متساوية لم يلزم من اجتماع الزّيادات الغير المتناهية في الخطّ الواحد أن يصير ذلك الخطّ غير متناه.
ألا ترى أنّا إذا نصفنا خطّا بنصفين، و جعلنا أحد النّصفين أصلا و نصفنا [١٢] النّصف الثّانى بنصفين آخرين، و ضممنا أحد نصفى النّصف [١٣] الثّانى إلى النّصف الأوّل، فههنا قد ازداد الأصل. ثمّ إذا نصفنا
[١] - لمادّتها: لمادّاتها م.
[٢] - على تناهى الأبعاد:- م.
[٣] - مقدّمات:+ أربعة مج. على فوق الكلمة.
[٤] - تقريرها: تقديرها مص.
[٥] - يمتدّان: ممتدّين مص.
[٦] - بين: من مص.
[٧] - يكون: أن يكون مص.:- م.
[٨] - و الثّالث ... ذراع: على الهامش بخطّ جديد م.
[٩] - إلى غير النّهاية: بغير نهاية مص.
[١٠] - فرضنا: فرض مج.
[١١] - فأمّا لو لم يقدر: فإنّا إذا لم نقدر مج.
[١٢] - و نصفنا: و نصف م.
[١٣] - نصفى النّصف: نصفى مص.