شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٤٧ - الفصل الحادى عشر الدّليل على تناهى الأبعاد
هناك بعد يشتمل على جميع ذلك الممكن؛ و إلّا فيكون إمكان وقوع الأبعاد إلى حدّ ليس للزّائد عليه إمكان. فيكون إنّما يمكن وجود المشتمل على محدود من جملة غير المحدود الّذى في القوّة.
فيصير البعد بين الامتدادين [١] محدودا في التّزايد [٢] عند حدّ لا يتجاوزه في العظم. و هناك ينقطع لا محالة الامتدادان و لا ينفذان بعده؛ و إلّا أمكنت الزّيادة على أكثر ما يمكن [٣]، و هو ذلك المحدود من جملة غير المحدود، و ذلك محال. فتبيّن أنّه يكون هناك [٤] إمكان أن يوجد بعد [٥] بين الامتدادين الأوّلين، فيه تلك الزّيادات الموجودة بغير نهاية، فيكون ما لا يتناهى محصورا بين حاصرين؛ هذا محال. و قد تستبان استحالة ذلك أيضا من وجوه أخرى يستعان فيها بالحركة أو لا يستعان، و لكن فيما ذكرناه كفاية.
التّفسير: لقائل أن يقول: الشّيخ تكلّم في الفصول الّتى قبل هذا الفصل في إثبات الهيولى، و سيتكلّم أيضا بعد هذا الفصل في أحكام الصّورة و الهيولى، فكيف أدرج هذه المسئلة الغريبة عن أحكام الهيولى [٦] فيما بينها [٧]؟ فنقول: إنّه لمّا بيّن أنّ الجسم مركّب من الهيولى و الصّورة أراد أن يبيّن بعد ذلك أنّ الصّورة لا تنفكّ عن الهيولى، و بعده أنّ الهيولى لا تنفكّ عن الصّورة. و كان البرهان الّذى يقيمه على أنّ الصّورة لا تنفكّ عن الهيولى [٨] هو: أنّ كلّ جسم متناه، و كلّ متناه مشكّل [٩]؛ فالجسميّة إذن [١٠] لا تنفكّ عن الشّكل. و الشّكل لا يحصل إلّا مع المادّة، فإذن يلزم أن لا تنفكّ الجسميّة عن المادّة.
و هذه حجّة عوّل عليها أفلاطون في أنّ الأبعاد لا تفارق المادّة. فإنّ الشّيخ حكى عنه في الفصل الثّانى من سابعة إلهيّات الشّفاء [١١] هكذا: إنّه ليس يجوز [١٢] أن يكون بعد قائم لا في [١٣] مادّة، لأنّه إمّا أن يكون متناهيا أو غير متناه. و الثانى باطل لأنّ وجود بعد غير متناه محال. و إذا كان متناهيا فانحصاره فى حدّ محدود و شكل مقدّر ليس [١٤] إلّا لانفعال عرض له من خارج، لا لنفس طبيعته. و لن تنفعل
[١] - بين الامتدادين: من الأبعاد م.
[٢] - التزايد: الزايد م.
[٣] - ما يمكن: ممّا يمكن م.
[٤] - أنّه يكون هناك: أنّ هناك م.
[٥] - بعد:+ ما مص.
[٦] - عن أحكام الهيولى:- م.
[٧] - فيما بينهما: فيما بينها مص.
[٨] - و كان البرهان ... عن الهيولى:- م.
[٩] - مشكّل:+ بالجسميّة مص.
[١٠] - إذن: إذ م.
[١١] - راجع الشّفاء: الإلهيّات؛ المقالة السابعة؛ الفصل الثّانى؛ ص ٣١١؛ القاهرة، ١٣٧٠ ه]
[١٢] - ليس يجوز: لا يجوز مج.
[١٣] - لا في: إلّا في مص.
[١٤] - ليس: و ليس م.