شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٩٣ - الفصل الثّالث فى سبب احتياج المفعول إلى الفاعل
المفهومان جميعا يحمل عليهما التّعلّق بالغير. و إذا كان معنيان أحدهما أعمّ من الآخر، و يحمل على مفهوميهما [١] معنى، فإنّ ذلك المعنى للأعمّ بذاته أوّلا [٢]، و للأخصّ بعده؛ لأنّ ذلك المعنى لا يلحق الأخصّ إلّا و قد لحق الأعمّ من غير عكس؛ حتّى لو جاز ههنا أن لا يكون مسبوق العدم يجب وجوده بغيره، و يمكن له في حدّ نفسه، لم يكن هذا التّعلّق. فقد بان أنّ هذا التّعلّق هو بسبب الوجه الآخر. و لأنّ هذه الصّفة دائمة الحمل على المعلولات، ليس في حال الحدوث فقط، فهذا التّعلّق كائن دائما. و كذلك لو كان لكونه مسبوق العدم، فليس هذا الوجود أنّما يتعلّق حال ما يكون بعد العدم فقط، حتّى يستغنى بعد ذلك عن ذات الفاعل.
التّفسير: لمّا بيّن في الفصل السالف أنّ المفتقر إلى الفاعل: إمّا الوجود الممكن، أو [٣] الوجود المحدث، قال في هذا الفصل: إنّ مفهوم كونه ممكنا لذاته [٤] واجبا بغيره [٥] يمكن [٦] تقسيمه إلى الدّائم و غير الدّائم. فغير الدّائم يكون أحد قسميه، و الحكم إذا حصل مع العامّ و الخاصّ فثبوته للعامّ [٧] أوّلا و بالذّات، و للخاصّ ثانيا و بالعرض؛ لأنّ المحدث الزّمانى لو عقل أن لا يكون ممكنا [٨] لذاته لم يكن حينئذ محتاجا إلى الغير. و الشّىء متى ثبت إمكانه، ثبت افتقاره إلى الغير كيف كان. فظهر منه أنّ الدّوام لا ينافى الافتقار إلى المؤثّر.
و لقائل أن يقول: الشّيخ في هذه المسئلة تكلّم [٩] فيما لا حاجة إليه، و لم يتكلّم في المحتاج [١٠] إليه. أمّا أنّه تكلّم فيما لا حاجة إليه فلأنّه أطنب في الفصل السالف في [١١] أنّ المفتقر إلى الفاعل هو وجود المحدث، و ذلك ممّا لا نزاع فيه لأحد من [١٢] العقلاء، فيكون الإطناب فيه حشوا.
و أمّا أنّه لم يتكلّم في المحتاج إليه فلأنّ موضع البحث: أنّ علّة الحاجة هى الحدوث، أم لا؟ و أنّ الدّائم هل يفتقر إلى المؤثّر، أم لا؟ و الشّيخ صادر على هذا المطلوب في هذا الفصل [١٣] من غير دلالة أصلا. فإنّ [١٤] قوله: «مفهوم كونه غير واجب الوجود بذاته، بل بغيره [١٥]، لا يمنع أن يكون على
[١] - مفهوميهما: مفهومها م.
[٢] - و: ثمّ م.
[٣] - أو: أم مج.
[٤] - لذاته: بذاته ط.
[٥] - بغيره: لغيره م، مج.
[٦] - يمكن: ممكن مص.
[٧] - للعامّ:- مص.
[٨] - لا يكون ممكنا: يكون واجبا ط.
[٩] - تكلّم: يتكلّم مج، مص.
[١٠] - فى المحتاج: فيما الحاجة مج.
[١١] - أطنب في الفصل السالف في: بيّن ط، م، مج.
[١٢] - لأحد من: بين أحد من ط، م.: بين س.
[١٣] - فى هذا الفصل:- ط.
[١٤] - فإنّ: لأنّ مج.
[١٥] - بذاته بل بغيره: لذاته بل لغيره مص.