شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٦٦ - الفصل التّاسع فى إثبات القوى المدركة و أحوالها
ثمّ نقول: إنّه يمكننا أن نحكم على زيد بأنّه إنسان، و الحكم بشىء على شىء [١] يستدعى تصوّر كلّ واحد منهما، فإذن ههنا شىء واحد هو المدرك للإنسان الكلّى و الإنسان الجزئىّ. و ثبت أيضا أنّ المدرك للإنسان [٢] الجزئىّ هو المدرك لكلّ هذه المدركات بكلّ [٣] هذه [٤] الإدراكات [٥].
فإن قيل: هذه الحجّة إنّما تدلّ على أنّ النفس مدركة للجزئيّات، و نحن لا ننكر ذلك. و لكن نقول: إنّ الصّور [٦] الخياليّة و المعانى الوهميّة لا بدّ و أن تكون موجودة، و إذ [٧] هى غير موجودة في الخارج فهى موجودة في الذّهن. لكن يستحيل أن تكون مرتسمة في النّفس لأنّ الصّور الجسمانيّة يستحيل انطباعها في الجوهر المجرّد [٨]، فإذن لا بدّ من قوى جسمانيّة يرتسم فيها تلك الصّور و المعانى. ثمّ إنّ النّفس تطالع تلك الصّور و المعانى من تلك المحالّ [٩] الجسمانيّة، فتكون هذه القوى [١٠] الجسمانيّة الّتى أثبتناها آلات للنّفس في إدراكها للجزئيّات [١١].
فنقول: هذا باطل:
أمّا أوّلا؛ فلأنّا قد دللنا على أنّ الصّور الخياليّة لا يمكن أن تكون منطبعة في الدّماغ. فإنّ من يخيّل بحرا، استحال أن تنطبع تلك الصّورة العظيمة في موضع صغير من الدّماغ. [١٢]
و أمّا ثانيا؛ فلأنّ هذا يقتضى كون الشّعور مغايرا للانطباع. فإنّكم لمّا أثبتّم الشّعور للنّفس، و لا يثبتون الانطباع لها، لزمت [١٣] المغايرة. لكنّكم لا تقولون بهذه المغايرة في أكثر الأمر. [١٤]
و أمّا ثالثا؛ فلأنّ الأمر [١٥] لو كان [١٦] على ما ذكرتم، لكان من الواجب عليكم أن تكتفوا بقوّتين [١٧]:
إحداهما تكون خزانة لصور [١٨] المحسوسات، و الأخرى خزانة للمعانى الوهميّة. ثمّ إنّ النّفس متى طالعت إحدى [١٩] الخزانتين حصل إدراك تلك المخزونات [٢٠] لها. لكنّكم تثبتون مع ذلك قوى جسمانيّة أخر [٢١] مدركة [٢٢] و هى الحسّ المشترك و الوهم، و قوّة متصرّفة [٢٣] و هى المتخيّلة. [٢٤] فعلمنا أنّ ما ذكرتموه من
[١] - بشىء على شىء: على شىء بشىء ط، مص.
[٢] - للإنسان: الإنسان مج.
[٣] - هذه المدركات بكلّ:- م.
[٤] - هذه:- ط.
[٥] - الادراكات:+ و اللّه الموفّق ط.
[٦] - الصّور: الصورة ط، مص.
[٧] - و إذ: إذ س، مج، مص.
[٨] - الجوهر المجرّدة: الجوهر المجرّد ط، م: الجوهر مص.
[٩] - المحال: المحالات م.
[١٠] - القوى:+ ان النفس ط.
[١١] - للجزئيّات: الجزئيّات س، ط.
[١٢] - الدّماغ: دماغه ط، م.
[١٣] - لزمت: لو ثبت مج.
[١٤] - الأمر: الأمور مص.
[١٥] - فلأنّ الأمر: فلأنّه ط، م.
[١٦] - كان:+ الأمر ط.
[١٧] - بقوّتين:+ يكون ط.
[١٨] - لصور: للصّور مص.
[١٩] - إحدى: بإحدى مص.
[٢٠] - المخزونات: المحسوسات مج.
[٢١] - أخر: أخرى ط، مج.
[٢٢] - مدركة:- ط، م.
[٢٣] - متصرّفة: مبصرة مج.
[٢٤] - المتخيّلة: الوهميّة ط. و لكن على الهامش: المتخيّلة.