شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٨٦ - الفصل الثّانى و العشرون فى كيفيّة تولّد المركّبات عن العناصر الأربعة
الحرارة و اليبوسة، و الصّورة المائيّة غير البرودة و الرّطوبة.
و اعلم أنّ إثبات الصّور النّوعية قد مضى في النّمط الأوّل، و ذكر ههنا أيضا على إثباتها دليلين:
الأوّل؛ أنّه ربّما زالت الكيفيّة المحسوسة مع أنّ الصّورة النّوعيّة باقية. فإنّ الماء قد يسخن و يزول [١] البرد عنه، و قد ينجمد و يزول الميعان [٢] عنه، مع أنّ مائيّته [٣] محفوظة في الوقتين [٤]. و هذه الحجّة [٥] لا يمكن الاستدلال بها على أنّ حرارة النّار ليست صورتها النّوعيّة، فإنّ النّار لا تبقى نارا بعد زوال الحرارة عنها حتّى تتمشّى فيها هذه الحجّة [٦]. و كذلك الهواء لا يبقى هواء بعد زوال الميعان عنه، و الأرض لا تبقى أرضا بعد زوال اليبس عنها.
الثّانى؛ و هو الحجّة العامّة أنّ هذه الأعراض [٧] تقبل الاشتداد و الضّعف [٨]، و لا شىء من الصّور بقابلة للاشتداد و الضّعف. أمّا الصغرى فظاهرة. و أمّا الكبرى فلأنّ القدر [٩] المعتبر في التّقويم إن زال فقد بطل المقوّم، فلا يكون ذلك انتقاصا [١٠] للمقوّم بل بطلانا له. و إن لم يزل، بل الزّائل ماوراء ذلك، لم يكن [١١] الاشتداد الّذى كان حاصلا في ذات الفصل [١٢]، بل في عارض من عوارضه. و كذا القول في جانب الازدياد.
و لقائل أن يقول: الدّليل الّذى ذكرتموه في أنّ الصّور لا تقبل الاشتداد [١٣] و التّنقصّ [١٤] قائم بعينه فى الكيفيّات من غير تفاوت. فإنّ الكيفيّة إذا انتقصت، فإن لم يزل في تلك الحالة أمر ألبتّة لم يحصل الانتقاص. و إن زال، فالّذى زال إن كان معتبرا في نوعيّة تلك الكيفيّة كان [١٥] ذلك عدما لتلك الكيفيّة لا انتقاصا لها. و إن لم يكن معتبرا فيها كان ذلك زوالا لأمر خارج عن ماهيّة [١٦] تلك الكيفيّة. فثبت أنّ الدّلالة الّتى ذكرتموها عامّة. ثمّ هذه الدّلالة إن صحّت بطلت الصّغرى، و إن بطلت بطلت الكبرى.
فالقياس مختلّ على كلّ حال.
ثمّ ذكر بعد هذا [١٧] الفرق بين الصّور و الأعراض. فالصّور مقوّمات للهيولى، و معنى المقوّم
[١] - و يزول البرد: فيزول البرد مص.
[٢] - و يزول الميعان: فيزول الميعان م، مج، مص.
[٣] - مائيّته: ماهيّته مص.
[٤] - الوقتين: الموضعين س. لكن صحّح على الهامش على: «الوقتين».
[٥] - الحجّة: الحجج س، مج.
[٦] - الحجّة: الحجج مج.
[٧] - الأعراض: الأرض مص.
[٨] - الاشتداد و الضّعف: الأشدّ و الأضعف س، مج.
[٩] - القدر:- س.
[١٠] - انتقاصا: انتقاضا مج، مص.
[١١] - لم يكن:+ ذلك مج.
[١٢] - الفصل: الفعل مص.
[١٣] - الاشتداد: اشتدادا مج.
[١٤] - التنقص: لا لنقص م.
[١٥] - كان: فإنّ م.
[١٦] - ماهيّة:- م.
[١٧] - بعد هذا: هذا بعد مج.
شرح الإشارات و التنبيهات (الفخر الرازي )، ج٢، ص: ١٨٧
قد تقدّم في باب تعلّق الهيولى بالصّورة. و أمّا الأعراض فهى لواحق تلحق الشّىء بعد تقوّمه، فهى تكون متقوّمة [١] بالمحلّ. ثمّ لمّا بيّن أنّ الكيفيّة المحسوسة الّتى لكلّ واحد من العناصر منبعثة [٢] عن الصّورة المقوّمة لماهيّته، و قد ثبت فيما مضى أنّ حركاتها الطّبيعيّة و سكوناتها الطّبيعيّة صادرة عن صورها النّوعيّة، و كان الحقّ عنده استحالة أن يكون للشّىء الواحد صور كثيرة مقوّمة [٣] فى درجة واحدة، لا جرم نبّه ههنا على حلّ [٤] هذا الإشكال فزعم أنّها بأسرها تنبعث [٥] عن تلك القوى الطّبيعيّة الحقيقيّة [٦].
و اعلم أنّ القوّة الواحدة عندهم لا يصدر عنها أكثر من الواحد إلّا على التّرتيب. فههنا إن كانت القوّة الطّبيعيّة واحدة كان تأثيرها واحدا [٧] فى عرض واحد، ثمّ بواسطته في عرض آخر. و إن كانت الصّور كثيرة كانت أيضا مترتّبة على هذا التأويل.
فإن قيل: المقصود من هذا الفصل بيان أمر المزاج، فلما ذا اشتغل فيه بالفرق بين الصّور و [٨] الكيفيّات؟ فنقول: لأنّه لو لا أنّ صورة كلّ واحد من العناصر مغايرة لكيفيّاته و إلّا لا ستحال المزاج.
بيانه و هو: أنّ العنصرين إذا امتزجا فلا بدّ و أن ينفعل كلّ واحد [٩] عن الآخر. فلا يخلو إمّا أن يكون انفعال أحدهما [١٠] عن الآخر قبل انفعال الآخر عنه، أو معه. و الأوّل محال لأنّه إذا انفعل أحدهما عن الآخر [١١] صار المنفعل مغلوبا، و المغلوب بعد صيرورته مغلوبا يستحيل أن يصير [١٢] غالبا، فيستحيل أن ينفعل الغالب عنه. و الثّانى أيضا محال، لأنّ انكسار كلّ واحد منهما معلول سورة [١٣] الآخر، و العلّة مع المعلول في الزّمان. فلو كان انكسار كلّ واحد منهما [١٤] بالآخر مع انكسار الآخر به، و الكاسر موجود مع المنكسر، لزم وجود سورة [١٥] كلّ واحد منهما حال انكسار سورة [١٦] كلّ واحد منهما؛ و ذلك محال. فثبت أنّه لو لم تكن صور هذه العناصر غير أعراضها لا ستحال القول بالمزاج [١٧]. أمّا إذا جعلنا
[١] - فهى تكون متقوّمة: مص.
[٢] - منبعثة: منتفية مج.
[٣] - مقوّمة:- س.: متقوّمة مج.
[٤] - حلّ: حال مج.: كلّ مص.
[٥] - تنبعث: منبعثة س.: منتفية مج.: تندفع مص.
[٦] - الحقيقيّة: الخفيّة س.
[٧] - واحدا:- م، مص.
[٨] - الصّور و:+ بين م، مص.
[٩] - كلّ واحد:+ منهما س.
[١٠] - أحدهما: كلّ واحد منهما مج.
[١١] - قبل انفعال ... عن الآخر:- مص.: ثابتة على هامش م. بخطّ جديد.
[١٢] - أن يصير: أن يكون س.
[١٣] - سورة: صورة مص.
[١٤] - معلول سورة ... واحد منهما:- م.
[١٥] - وجود سورة: وجود صورة مص.
[١٦] - انكسار سورة: انكسار صورة مص.
[١٧] - القول بالمزاج: المزاج س.