شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٣٢ - الفصل الرّابع بيان حال الأجسام البسيطة
طبيعة لكن [١] لها طبع [٢]، و الفرق بين الطّبيعة و الطّبع مشهور. و ذلك أنّ الطّبيعة تكون مبدءا لحركة ما هى فيه من غير شعور، و الطّبع يكون مبدءا مطلقا سواء كان له شعور أو لم يكن، فكان الطّبع أعمّ من الطّبيعة. و لمّا كان الأمر كذلك و كان الطّبع ثابتا [٣] لجميع الأجسام لا جرم ذكر الطّباع، و لم يذكر الطّبيعة حتّى تكون الحجّة الّتى ذكرها في إثبات المبدأ المذكور عامّة.
و ثانيها؛ أنّه قال: «و لم يعرض له من خارج تأثير غريب»
؛ أراد بهذا إبطال ما يقوله المتكلّمون من أنّ اختصاص الأجسام بأحيازها إنّما كان لأنّ الفاعل المختار يخصّص كلّ واحد منها بحيّز معيّن.
فإنّ تخصيص المختار ذلك الجسم بذلك الحيّز إمّا أن يكون مع كون ذلك [٤] الجسم مستحقّا لذلك الحيّز، أو لا مع هذا الاستحقاق. فإن كان الأوّل فقد حصل المطلوب. و إن كان الثانى كان ذلك التّخصيص عارضا ممكن الزّوال، لأنّ الاتّفاقيّات تكون ممكنة الزّوال. فإذا فرضنا انقطاع هذا التّأثير الغريب عن الجسم وجب أن يبقى الجسم لا في حيّز [٥].
و ثالثها؛ أنّه قال: «لم يكن له بدّ من وضع معيّن»
و لم يقل: لا بدّ من موضع معيّن [٦]؛ لأنّا بيّنا أنّ لكلّ جسم وضعا و ليس لكلّ جسم موضعا. فلمّا كان مقصوده إثبات المبدأ المذكور لجميع الأجسام، لا جرم [٧] ذكر الوضع دون الموضع.
و أمّا قوله: «فإذن فيه مبدأ استيجاب ذلك»
؛ فاعلم أنّ إثبات هذا المبدأ [٨] يتوقّف على بيان أنّ اختصاص كلّ جسم بوضعه و شكله المعيّنين ليس لجسميّته [٩]. و هذه مقدّمة بيّنة عند الشيخ [١٠]. و على أنّ ذلك ليس لأمر خارج عن الجسم، و ذلك قد بطل بما فرض الشّيخ الكلام في الجسم الّذى انقطع التّأثير الغريب عنه، فلا جرم صحّت هذه النّتيجة. و إنّما قال: «فيه مبدأ استيجاب ذلك»؛ و لم يقل: فيه مبدأ ذلك؛ لأنّ ما كان مبدأ الشّىء يستحيل عدم ذلك الشّىء عند حصول ذلك المبدأ.
لكنّ الجسم قد يخرج عن مكانه الطّبيعى و يزول أيضا عنه شكله الطّبيعى مع بقاء طبيعته. فعلمنا أنّ الطّبيعة ليست مبدءا للحصول في ذلك الحيّز، و لا لحصول ذلك الشّكل. بل هى لذاتها طالبة لأن
[١] - لكن:- م.
[٢] - طبع: طبائع مص.
[٣] - الطّبع ثابتا: الأمر حاصلا م.
[٤] - كون ذلك: كون م.
[٥] - حيّز: الحيّز مص.
[٦] - و لم يقل ... موضع معيّن:- مص.
[٧] - لا جرم:- مص.
[٨] - هذا المبدأ: هذا مص.
[٩] - لجسميّته: جسميّته مص.
[١٠] - بيّنة عند الشّيخ: بيّنها الشّيخ مج.