شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦١٤ - الفصل الثّامن فى بيان احتياج المريد إلى الرّياضة و بيان أغراضها
و مبهمة من وجه آخر، فالبقدر الّذى حصل من الإدراك [١] تحصل اللّذّة و الاستعظام، و بالقدر الّذى لم يصل إليه و لم يحط به بقى مشتاقا إليه. فتحصل هناك لذّات نفسانيّة بسبب الوصول [٢]، و آلام نفسانيّة بسبب الشّوق إلى ما لم يصل [٣] إليه [٤]. ثمّ لتعاقب تلك اللّذّات [٥] و الآلام يكون الشّعور بها أتمّ.
و لاختلاطها [٦] يحسّ بها كالحالة الواحدة [٧] الممتزجة من اللّذّة و الألم، فتحصل هناك حالة طيبة شبيهة بالدّغدغة، مدهشة مطربة، مع [٨] نوع من الاستعظام و الحيرة. و الكلام الواقع على هذا الوجه يكون [٩] فى أعلى طبقات الفصاحة.
و مثاله قوله تعالى: «وَ قِيلَ يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَ يا سَماءُ أَقْلِعِي» [١٠]. فإنّا لو قلنا إنّ ما فيه من الفصاحة لما فيه من التّرصيع في قوله: ابلعى و أقلعى، و المطابقة في قوله: يا سماء و يا أرض؛ لكان ذلك شيئا [١١] قليلا. و الحدس [١٢] السليم و الذّوق المستقيم شاهدان بأنّ الرّوعة الّتى يجدها منها [١٣] أكثر [١٤] كثيرا ممّا يقتضيه هذا القدر. ثمّ إذا فتّشنا وجدنا السبب فيه ما ذكرناه. فإنّ لفظة «قيل» فعل [١٥] لم يسمّ فاعله، مع أنّ المراد به هو سبحانه. و ذلك مشعر بأنّه سبحانه في العظمة و الكبرياء بحيث متى قيل: «قيل»؛ لم ينصرف العقل و الوهم و الفكر و الخيال إلّا إليه، لكون ما عداه بالنّسبة إليه كالمعدوم [١٦]. فهذه الكلمة مشعرة بالعظمة من هذا الوجه، و إن لم يكن فيها بيان تفصيلىّ لها، حتّى لو قلت: قال اللّه يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ، لذهب أكثر تلك الرّوعة و الفخامة. و كذلك قوله تعالى: يا أَرْضُ و يا سَماءُ مشعر بنفوذ [١٧] أمره سبحانه و تعالى على هذه الأجسام العظيمة الجليلة، و من نفذ أمره فيها [١٨] كان بالعظمة أجدر. فهذا مشعر بنوع آخر من العظمة على الإجمال، لا على [١٩] التّفصيل، حتّى لو صرّحنا بذلك التّفصيل [٢٠] و قلنا: إنّه تعالى قطع مادّة المطر من السماء و جعل الأرض ناشفة [٢١] للماء، لم يبق شىء من تلك الرّوعة.
[١] - حصل من الإدراك: يحصل الإدراك س.
[٢] - الوصول: الوصل ط.
[٣] - لم يصل: لا يصل م.: يصل مص.
[٤] - إليه:- ط، م.
[٥] - آلام نفسانيّة ... اللذّات: ثابتة على الهامش م.
[٦] - لاختلاطها: اختلاطها ط.
[٧] - كالحالة الواحدة: كالواحدة س.
[٨] - مع:+ وقوع ط.
[٩] - يكون:- ط، م.
[ (١٠) - و قيل يا ارض ... اقلعى: سورة ١١ (هود)؛ آية ٤٤.]
[١١] - شيئا: سببا مص.:- ط.
[١٢] - الحدس: الحسّ مص.
[١٣] - منها: فيها س.
[١٤] - أكثر: أكبر مج.
[١٥] - فعل:+ ما ط، مص.:+ ههنا م.: على فوق السطر س.
[١٦] - كالمعدوم: كالعدم س.
[١٧] - بنفوذ: بنفاذ مص.
[١٨] - فيها: فيهما س.
[١٩] - على:+ السبيل م.
[٢٠] - التّفصيل: التّفسير مج.
[٢١] - ناشفة: باسقة مص.