شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٦٠٩ - الفصل الثّامن فى بيان احتياج المريد إلى الرّياضة و بيان أغراضها
و أيضا فالاستقراء دالّ على أنّ النّظر إلى السماوات و الأرضين [١] و ما فيهما [٢]، و المكث في قلل الجبال و المواضع الخالية تورث [٣] الرّقّة و التّفكّر في أمر المعاد. و النّظر إلى القسم الثّانى يورث حبّ الدّنيا و الميل إليها. و لذلك قال عليه السلام لعائشة: «إيّاك و مجالسة الأغنياء».
و أمّا المسموعات؛ فهى إمّا [٤] الإلحان المناسبة، أو غيرها. و الأوّل هو السماع، و الاستقراء دالّ على أنّه كلّما كان القلب مائلا إلى شىء فإنّه عند السماع يصير أكثر ميلا إليه، و أكثر انقطاعا و تجرّدا عن غيره. لا سيّما إذا كانت الإلحان مقرونة بشعر يشعر [٥] بذلك الغرض. و لذلك فإنّ [٦] العاشق إذا سمع شعرا لائقا بأحوال معشوقه ظهر فيه من الوجد و الحنين و الأنين ما لا يظهر [٧] مثله في غير وقت السماع. و أمّا غير السماع فليجتهد المريد من [٨] تقليل الكلام و من [٩] تقليل استماعه إلّا فيما [١٠] يناسب غرضه.
أمّا التقليل من الكلام [١١] فهو شاقّ [١٢]، و سببه أنّ الإنسان خلق فعّالا بالطّبع. و الأفعال منها ما يكون شاقّة لا يمكن مزاولتها إلّا بتجشّم المؤن و الكلف [١٣]، فيكون ذلك صادّا [١٤] للإنسان عن مقتضى جبلّته و هو الفعّاليّة. و منها ما لا يكون كذلك و هو الكلام. و لهذا السبب اصطلحوا على إيجاده [١٥] معرّفا [١٦] لما في الضّمائر [١٧] دون غيره. و إذا كان الأمر [١٨] كذلك كانت الدّاعية [١٩] بأصل الفطرة متوّفرة على الكلام [٢٠]. و الصّارف [٢١] المذكور زائل، فلا جرم كان الامتناع عنه و الحالة هذه شديدا.
أللهمّ إلّا عند اعتبار العقل ما فيه من المضارّ. و الضّابط في ذلك [٢٢] أنّ شعب الكلام كثيرة، فلو مكّنّا النّفس منه بقيت مشغولة بما فيه من الشّعب، و [٢٣] الشّعب بحيث [٢٤] لا يتفرّع لسائر المهمّات. هذا إذا قدّرنا خلوّه عن جميع الآفات الدّنيّة و النّفسانيّة مع أنّ الأمر بالضّدّ منه. كما روى أنّ أبا بكر بن أبى
[١] - السماوات و الأرضين: السماء و الأرض س.
[٢] - و ما فيهما: و ما فيها س.:- م.
[٣] - تورث: يوثر ط.
[٤] - إمّا:- ط.
[٥] - يشعر: مشعر م، مج، مص.
[٦] - فإنّ: كان ط.
[٧] - لا يظهر:+ فيه في س.
[٨] - من: فى ط، مج.
[٩] - من: فى مج.
[١٠] - فيما: ممّا م.
[١١] - التّقليل من الكلام: تقليل الكلام س.
[١٢] - شاقّ:+ على النّفس مص.
[١٣] - الكلف: التّكلّف مج.
[١٤] - صادا: صارفا مج.: صادرا مص.
[١٥] - إيجاده: اتّحاده م.: مهملة في ط، مج.
[١٦] - معرّفا: معرّفات مص.
[١٧] - الضّمائر: الضّمير س.
[١٨] - الأمر:- مص.
[١٩] - كانت الدّاعية: فتكون الدّواعى مص.
[٢٠] - على الكلام: عليه مص.
[٢١] - الصّارف: العائق س.
[٢٢] - فى ذلك: فيها ط، م: فيه م.
[٢٣] - من الشّعب و:- ط.
[٢٤] - الشّعب بحيث:- مص.