شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٥٧ - الفصل الرّابع و العشرون فى دفع ما يوهم بأنّ الشّرّ غالب
أقسام ثلاثة: أحدها، الفائق [١] فى الجمال و الصّحّة. و الثّانى، المتوسّط. و الثّالث، القبيح و المريض. و الأوّل و الثّانى ينالان من السعادة العاجلة قسطا وافرا أو معتدلا [٢] و [٣] يكونان من أهل السلامة. فكذا حال النّفس في هيآتها ثلاثة: أحدها، الغاية [٤] فى كمال العلم و حسن الخلق. و الثّانية، الخالية [٥] عن العقائد الحقّة و الباطلة، و الأخلاق الجيّدة و الرّديئة. و الثّالثة، الموصوفة [٦] بالاعتقادات الباطلة، و الأخلاق الرّديئة. فالقسم الأوّل ينال السعادة العظمى. و القسم الثّانى فهو من أهل السلامة و نيل حظّ ما [٧] من الخيرات الآجلة. و القسم الثّالث صاحب الشّقاوة الكبرى. ثمّ إنّ كلّ واحد من الطّرفين نادر، و الوسط فاش [٨] غالب. و إذا أضيف إليه الطّرف الفاضل صار لأهل النّجاة الغلبة.
و لقائل أن يقول: أمّا أن تقولوا: بأنّ [٩] المتوسّط [١٠] من أهل السعادة، أو من أهل السلامة، و الأوّل مكابرة؛ لأنّ لذّات المتوسّطين [١١] فى الصّحة و المال [١٢] و الجمال غير غالبة على عدم لذّاتهم على ما بيّنّاه، و إن كانت غالبة على آلامهم [١٣]. و الثّانى مسلّم، لكنّه [١٤] يخرج منه أنّ السلامة غالبة.
لكنّ السلامة لا تصلح داعية إلى الخلق [١٥]، لأنّها [١٦] صفة عدميّة على ما بيّنّاه. و أمّا السعادة فمغلوبة، و المغلوب لا يصلح داعيا إلى الخلق [١٧] و الإيجاد، فبطل ما ذكرتموه.
ثمّ إن [١٨] نزلنا عن هذا المقام، لكنّكم ذكرتم أنّ أحوال النّفس [١٩] فى العقائد و الأخلاق ثلاثة:
طرفان، و واسطة، و ذكرتم أنّ الواسطة هى الغالبة. فإن عنيتم به أنّ الواسطة في العقائد هى الغالبة، أى [٢٠] النّفوس الخالية عن الحقّ و الباطل أكثر من النّفوس المنتقشة، فهذا مسلّم؛ لأنّ أكثر الخلق عوام. و إن عنيتم أنّ الواسطة في الأخلاق هى الغالبة فهو باطل؛ لأنّ الغالب على أحوال الخلق أن تكون نفوسهم مستغرقة في محبّة الدّنيا و المال و الجاه و متابعة الشّهوة و الغضب. بل القسمان أعنى النّفوس الفاضلة فى الأخلاق، و الخالية عن الأخلاق، بالنّسبة إلى النّفوس الرّديئة [٢١] الأخلاق كالقطرة في البحر. فكيف
[١] - الفائق: البالغ ط.: العائق مج.
[٢] - معتدلا: منعدلا س.
[٣] - و: أو م، مج، مص.
[٤] - الغاية: اتعابه مج.
[٥] - الثّانية الخالية: الثّانى الخالى ط، م، مج، مص.
[٦] - الثّالثة الموصوفة: الثّالث الموصوفة مج.: الثّالث الموصوف ط، م، مص.
[٧] - حظّ ما: حظّ مج.
[٨] - فاش:- س.
[٩] - إمّا أن تقولوا بأنّ:- مج.
[١٠] - المتوسّط:+ إمّا س.
[١١] - المتوسّطين: المتوسّط س.
[١٢] - و المال:- مص.
[١٣] - آلامهم: آلاتهم مص.
[١٤] - لكنّه: و لكنّ س.
[١٥] - إلى الخلق:+ و الإيجاد ط.:- م.
[١٦] - لأنّها: لكونها م.
[١٧] - لأنّها صفة ... إلى الخلق:- مص.
[١٨] - ثمّ إن: و إن س.: ثمّ لئن ط، م.
[١٩] - النّفس: النّفوس ط، م.
[٢٠] - أى: على س.
[٢١] - الرّدئية:+ فى س.