شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٤٢٦ - الفصل الثّانى عشر فى بيان المذاهب في إمكان العالم و حدوثه و أنّ القائلين بكثرة واجب الوجود فرقة منهم قالوا بأنّ هذا العالم المحسوس واجب لذاته
ذلك محال؛ لأنّ [١] كلّ ما دخل في الوجود فقد حصره الوجود، و ما لا يتناهى لا يكون محصورا.
و ثانيها؛ أنّه لو لم يكن للحوادث الماضية أوّل [٢] لتوقّف حدوث الحوادث اليوميّة على انقضاء الحوادث الّتى وجدت قبل ذلك. فإذا [٣] كانت الحوادث الّتى انقضت قبل ذلك غير متناهية، كان حدوث الحادث اليومىّ [٤] متوقّفا على انقضاء ما لا نهاية له. و ما يتوقّف حدوثه على انقضاء ما لا نهاية له كان محالا أن يدخل في الوجود. فوجب أن يكون حدوث الحوادث اليوميّة ممتنعا. و لمّا [٥] لم يكن كذلك، علمنا أنّ الحوادث الماضية متناهية.
و ثالثها [٦]؛ و هو أنّ كلّ وقت يتجدّد فإنّه يزداد فيه عدد الحوادث الماضية، و كلّ ما يتطرّق إليه الزّيادة و النّقصان فهو متناه، فالحوادث الماضية متناهية.
ثمّ إنّ الشّيخ بعد أن فرغ عن الدّلالة على أنّ للحوادث بداية، ذكر أقوال القائلين بحدوث العالم فى [٧] أنّ اللّه تعالى لم لم يقدّم خلق العالم على الوقت الّذى خلقه فيه، و لم يؤخّره [٨] عنه؟ و ذكر من تلك الأقاويل ثلاثة [٩]:
أحدها؛ قول المعتزلة الّذين يقولون: العالم وجد [١٠] حين كان أصلح لوجوده.
و ثانيها؛ قول الكعبى و طائفة أخرى: إنّه لم يمكن وجوده إلّا حين [١١] وجد. و هؤلاء لعلّهم لا يقولون: إنّه كان قبل ذلك ممتنعا لذاته ثمّ انقلب ممكنا [١٢]؛ بل يقولون: إنّه قبل حدوثه نفى محض، و عدم صرف، و ليس له تخصّص، و لا تميّز، فيستحيل الحكم عليه بالإمكان و الامتناع.
و ثالثها؛ قول أكثر الفرق و هو أنّه لا يتعلّق وجوده بحيّز و بشىء آخر، بل بالفاعل، و لا يسئل عن لم [١٣]. و بيانه هو أنّ اللّه [١٤] تعالى فاعل مختار، و الفاعل المختار يمكنه ترجيح أحد مقدوريه على الآخر لا لمرجّح. فإنّ الهارب من السبع الضّارى [١٥] إذا عنّ [١٦] له طريقان متساويان في جميع الأمور [١٧] المعتبرة، فإنّه لا بدّ و أن يسلك أحدهما لا لمرجّح. و كذلك [١٨] العطشان جدّا إذا خيّر بين
[١] - لأنّ: فإنّ مص.
[٢] - أوّل: بداية ط.
[٣] - فإذا: و إذا م.
[٤] - الحادث اليومىّ: الحوادث اليوميّة مج، مص.
[٥] - و لمّا: فلمّا س.: و إذا ط.
[٦] - ثالثها: الثّالث س.
[٧] - فى: و س.
[٨] - لم يؤخّره: لم يؤخّر مج.
[٩] - ثلاثة:+ أوجه ط.
[١٠] - وجد: أوجد ط، مج.
[١١] - حين:+ ما ط.
[١٢] - ممكنا:+ لذاته س.
[١٣] - عن لم: عمّا يفعل مص.
[١٤] - هو أنّ اللّه: أنّه ط، م، مج.
[١٥] - الضّارى:- س.
[١٦] - عنّ: عيّن م.
[١٧] - الأمور: الوجوه س.
[١٨] - كذلك: كذا س، ط.