شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢١٥ - الفصل السادس فى أنّ النّفس شىء واحد و له فروع و قوى منبثّة في الأعضاء
مغايرا [١] لفعل الأخرى. فأمّا إذا كانت النّفس مبدءا [٢] لتلك القوى و مستعملا [٣] لها، كان اشتغال كلّ واحدة منها بفعلها مضادّا و ممانعا [٤] لاشتغال الأخرى بفعلها [٥].
و بيان ذلك أنّ النّفس لمّا كانت مبدءا لتلك القوى، كان بين النّفس و بين تلك القوى علاقة السببيّة و المسببيّة. و تلك العلاقة سبب لتأدّى انفعالات تلك القوى إلى النّفس، و تأدىّ انفعالات النّفس إلى تلك القوى.
أمّا الأوّل [٦] فكما إذا تعلّقت القوّة الحسّاسة أو الشّهوانيّة أو الغضبيّة بمتعلّقها، و تأثّرت عن ذلك المتعلّق، و تأدّت [٧] الآثار من تلك القوى إلى النّفس حتّى يتمكّن ذلك [٨] الأثر في النّفس، و يصير عادة و خلقا و ملكة مستقرّة.
و أمّا الثّانى فكما إذا تفكّرنا [٩] فى عظمة اللّه تعالى حتّى تأثّرت النّفس عنها، فإنّ [١٠] ذلك الأثر يتأدّى إلى القوّة المنبّثة في الأعضاء و يحصل بسبب ذلك في الأعضاء، آثار مخصوصة حتّى يقشعرّ جلد [١١] الإنسان و يقفّ شعره [١٢]. قال صاحب الصحاح: قفّ [١٣] شعرى أى قام [١٤] من الفزع.
و اعلم أنّ الكلام في هذه القوى، و في كيفيّة نزول الأثر من النّفس إليها، و صعوده منها إلى النّفس سيأتى بعد [١٥] ذلك على وجه أشرح ممّا ههنا إن شاء اللّه تعالى [١٦]. ثمّ لمّا فرغ من بيان هذا الأصل ذكر أنّ تلك الانفعالات الصاعدة تارة، و النّازلة أخرى، تقبل الشّدّة و الضّعف. و لو لا ذلك لما كان بعض النّاس أشدّ استعدادا للغضب، أو للعفّة، أو للفجور من البعض. و لمّا كان كذلك، دلّنا ذلك [١٧] على أنّ هذه الاستعدادات هيئات [١٨] راسخة ثابتة في النّفس، سواء وجدت الأفعال أو لم توجد.
[١] - مغايرا: معاندا م، مج.
[٢] - و موردا عليه سائر الأجزاء (س ١٧ ص ٢١٢) ... إذا كانت النفس مبدءا: مفقودة من ط.
[٣] - و مستعملا: مستعملة س.
[٤] - ممانعا: منافيا مج.
[٥] - الأخرى بفعلها: الآخر بفعله ط، م.
[٦] - أمّا الأوّل: على الهامش س.
[٧] - و تأدّت: تأدّت مص.: فأدّت م.
[٨] - ذلك:- س.
[٩] - تفكّرنا: فكّرنا ط.
[١٠] - فإنّ: فلأنّ م.
[١١] - جلد:- س.
[١٢] - و يقفّ شعره:- مص.
[١٣] - قفّ: وقف س.
[١٤] - قام: أقام مص.
[١٥] - و في كيفيّة ... سيأتى بعد: على الهامش ط.
[١٦] - إن شاء اللّه تعالى:- ط.
[١٧] - ذلك:- مص.: على ذلك ط، م.
[١٨] - هيئات: كيفيّة مص.