شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٢٠٥ - الفصل الثّانى فى أنّ الشّاعر للذّات ليس الحواسّ الظّاهرة
يؤذيه [١] علم بإضافة المؤذى إليه، و العلم بإضافة أمر إلى أمر متأخّر عن العلم بكلّ واحد من المضافين، فوجب أن يكون علمه بنفسه حاصلا له قبل علمه [٢] بوصول [٣] ذلك المؤذى له. فثبت بهذا أنّ الإنسان لا يغفل في شىء من هذه الأحوال عن إدراكه لذاته.
و اعلم أنّ هذه الحجّة تقتضى أن يكون حال [٤] سائر الحيوانات كذلك أيضا. و أمّا الّذى يدلّ على امتناع أن يغفل الإنسان عن إدراكه لذاته هو أن يقال: إدراك الشّىء عبارة عن حصول ماهيّة المدرك في المدرك، فعلمى بذاتى إمّا أن يكون عبارة عن حصول صورة مساوية لذاتى في ذاتى، و هو محال، لاستحالة الجمع بين المثلين، و لأنّه ليس أحدهما بالحالّيّة و الآخر بالمحلّيّة أولى من العكس لتساويهما في الماهيّة، فيلزم أن يكون كلّ واحد منهما [٥] حالّا و محلّا؛ و هو محال. و إمّا أن يكون عبارة عن مجرّد حصول [٦] ماهيّة تلك الذّات لتلك الذّات، لكن حصول [٧] الشّىء [٨] عند نفسه يستحيل أن يتبدّل بالغيبة [٩]، فإذن إدراك الشّىء لذاته يستحيل أن يتبدّل بالغفلة. و هاتان الحجّتان غير برهانيّتين، و الأولى أضعف. فهذا هو الكلام في أنّ الإنسان لا يغفل عن ذاته قطّ [١٠].
[الفصل الثّانى [فى أنّ الشّاعر للذّات ليس الحواسّ الظّاهرة]]
تنبيه: بماذا تدرك حينئذ، و قبله، و بعده، ذاتك؟ و ما المدرك من ذاتك؟ أترى المدرك [١١] أحد مشاعرك مشاهدة، أم عقلك و قوّة غير مشاعرك و ما يناسبها. فإن كان عقلك و قوّة غير مشاعرك. بها [١٢] تدرك، أ فبوسط تدرك أم بغير وسط. ما أظنّك تفتقر في ذلك حينئذ إلى وسط، فإنّه لا وسط. فبقى أن تدرك [١٣] ذاتك من غير افتقار إلى قوّة أخرى و إلى وسط، فبقى أن يكون [١٤] بمشاعرك أو بباطنك بلاوسط، ثمّ انظر.
التّفسير: لمّا ذكر أنّ الإنسان شاعر بذاته دائما [١٥]، أراد أن يبحث أنّ الشّاعر ههنا ما هو؟ و المشعور
[١] - علمه بأنّه يؤذيه:- مج.
[٢] - علمه: العلم مص.
[٣] - بوصول: بحصول ط، م، مص.
[٤] - حال:- س، مج.
[٥] - منهما:- مص.
[٦] - حصول: حضور: ط، س.
[٧] - حصول: حضور ط، م.
[٨] - الشّىء: شىء مج، مص.
[٩] - بالغيبة: بالغير مج.
[١٠] - قطّ: فقط+ و اللّه أعلم بالصّواب ط.
[١١] - المدرك:+ منك م.
[١٢] - بها: إمّا مص.
[١٣] - أن تدرك: أن تكون تدرك م.
[١٤] - فبقى أن يكون: فيكون إمّا س.: أن يكون مص.
[١٥] - دائما:- س، مج.