شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١٢١ - الفصل الثّالث فى بيان ساير أحوال محدّد الجهات
و لكن هذه الصّفة إنّما تحصل للجالس بسبب الأمرين المذكورين: أحدهما؛ النّسبة الّتى لبعض أجزاء [١] الجالس إلى بعض، و ثانيهما؛ بسبب [٢] نسبة تلك الأجزاء إلى أمور خارجة عنها. فإنّ النّسبة الّتى لبعض [٣] أجزاء الجالس لو بقيت و قلب الجالس [٤]، و الحالة هذه حتّى [٥] جعل رأسه إلى أسفل و هو بعد [٦] على هيئة في الجلوس [٧]، لم يكن ذلك الشّخص جالسا حينئذ؛ إذ النّسبة الّتى كانت بين أجزائه و إن كانت باقية إلّا أنّ [٨] النّسبة الّتى كانت بين تلك الأجزاء و بين الأمور الخارجة عنها غير باقية. و إذا عرفت الوضع بهذا المعنى عرفت أنّ الفلك المحيط و إن لم يكن له موضع إلّا أنّ له وضعا بالقياس إلى غيره.
و أمّا إن كان المحدّد للجهات فلكا له موضع و مكان، مثل أحد الأفلاك الّتى في جوف الفلك الأعظم؛ فلو صحّ ذلك لكان المحدّد، له موضع و وضع. أمّا الموضع فلأنّ مقعّر الفلك المحيط به [٩] يكون موضعا له، و لكنّه مع هذا يستحيل أن يفارق موضعه. و أمّا الوضع [١٠] فإنّ [١١] ذلك يكون له بالقياس إلى هو خارج عنه و هو الفلك المحيط، و بالقياس إلى ما هو في حشوه و هو الجسم الّذى في حشوه.
و أمّا قوله: «و لعلّه لا يكون المحدّد الأوّل [١٢] إلّا القسم الأوّل»
؛ فاعلم أنّ ذلك مشعر بأنّه ما كان جازما بأنّ محدّد كلّ الجهات هو الفلك الأوّل، و إن كان الأولى عنده ذلك. و سبب التّردّد هو أنّ الّذى يمكن أن يعوّل عليه [١٣] فى بيان أنّ محدّد الجهات هو الفلك الأوّل أن يقول: إنّا لو قدّرنا وجوده من غير أن يحصل في حشوه سائر الأفلاك، فإنّه يحصل به وحده طرفا القرب و البعد منه. و إذا كان هو وحده كافيا في ذلك لم يكن لغيره تأثير في ذلك، فلا يكون المحدّد إلّا هو.
و لكن لقائل أن يقول: هذا الكلام إنّما يستقيم لو كان الفلك الأوّل متقدّما في الوجود على غيره من الأفلاك حتّى يقال: إنّه متى اجتمع على المعلول علّتان مستقلّتان بالعلّيّة، فإذا كانت إحداهما
[١] - أجزاء: أعضاء م.
[٢] - بسبب:- مج.
[٣] - لبعض: بين بعض مج.
[٤] - إلى بعض و ... قلب الجالس:- م.
[٥] - حتّى:- م.
[٦] - بعد: يعدّ مج.
[٧] - فى الجلوس: من الجلوس مص.
[٨] - النّسبة الّتى ... باقية إلّا أنّ:- مص.
[٩] - المحيط به: المحيط مج.
[١٠] - و أمّا الوضع: و أمّا أنّ له وضعا م.
[١١] - فإنّ: فلأنّ مص.
[١٢] - المحدّد الأوّل:+ و إن كان الأولى عنده ذلك مص.
[١٣] - يعوّل عليه: يقول عليه مص.