شرح الإشارات و التنبيهات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ١١٩ - الفصل الثّانى فى بيان امتناع الحركة المستقيمة على محدّد الجهات
وجودها و في منافرتها لذلك الجسم عنه. فعلى جميع الأحوال لا يكون الجسم المنتقل علّة لتلك الجهة. فثبت أن كلّ جسم يصحّ عليه أن يفارق مكانه أو حيّزه فإنّه يجب أن يكون المحدّد لموضعه الطّبيعى جسما آخر غيره. فيكون ذلك الجسم الّذى هو علّة تحدّد جهة الجسم المستقيم الحركة متقدّما على تلك الجهة، لأنّ العلّة متقدّمة على المعلول.
و تلك الجهة إمّا أن يكون وجودها قبل وجود ذلك الجسم المفارق، أو معه. فإن كان الأوّل، كان محدّد [١] الجهة متقدّما على الجهة الّتى هى متقدّمة على الجسم المفارق؛ و المتقدّم على المتقدّم متقدّم؛ فالجسم المحدّد متقدّم في الوجود على الجسم الذى [٢] يصحّ عليه الحركة المستقيمة.
و إن كان الثّانى، كان المحدّد متقدّما على الجهة [٣] الّتى هى مع الجسم المستقيم الحركة؛ و المتقدّم على المع [٤] متقدّم، على ما مرّ تقريره في النّمط الأوّل [٥] فى بيان أنّ الصّورة ليست علّة للهيولى؛ فالجسم المحدّد متقدّم [٦] على الجسم المفارق. و ليس المراد من هذا التّقدّم التّقدّم الزّمانى و إلّا لزم الخلاء [٧]، و هو محال. بل التّقدّم [٨] بالعلّيّة، أو بضرب آخر و هو التّقدّم بالطّبع لما ثبت أنّ الجسم لا يكون علّة للجسم [٩] أصلا.
فإن قيل: أنّكم ذكرتم أن الجهة إمّا أن تكون مع الأجسام المستقيمة الحركة أو متقدّمة عليها، فما الحقّ من هذين الوجهين؟ فنقول: اللّائق بما ذكره في النّمط السادس من هذا الكتاب في بيان أنّ الفلك الحاوى لا يكون علّة للمحوى أن يقال: جهات الأجسام المستقيمة الحركة غير متقدّمة عليها و إلّا لزم أن يكون الخلاء ممكنا لذاته ممتنعا لغيره؛ لأنّ [١٠] عدم الخلاء و وجود الأجسام المادّية [١١] معا. فلو كان وجود الأجسام متأخّرا عن وجود الجهات لكان عدم الخلاء متأخّرا أيضا عن وجود الجهات [١٢]؛ لكنّ المتأخّر عن الشّىء ممكن مع ذلك الشّىء؛ فإذن عدم الخلاء ممكن لا واجب.
فإذن الخلاء [١٣] ممكن بذاته، ممتنع بغيره؛ هذا محال [١٤].
[١] - كان محدّد: محدّد م.
[٢] - على الجسم الّذى: على الّذى مص.
[٣] - على الجهة: فى الجهة مج.
[٤] - على المع: على المعى م، مص.
[ (٥) - راجع: النّمط الأوّل؛ الفصل الحادى و العشرون؛ ص ٨٦]
[٦] - متقدّم: تقدّم مص.
[٧] - الخلاء: الخلاوة مج.
[٨] - التقدم الزّمانى ... بل القدم:- م.
[٩] - للجسم: لجسم م.
[١٠] - لأنّ: لا م.
[١١] - الماديّة: الاليه مج، م.
[١٢] - وجود الجهات: وجود الجهة م.
[١٣] - ممكن مع ... الخلاء:- م.
[١٤] - محال:+ و باللّه التّوفيق م.:+ و اللّه أعلم مج.