الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٣ - أخسر النّاس أعمالا
كان عليهم صعبا و ثقيلا إلى درجة يتصور فيها أنّهم فقدوا حاسة السمع، فلا قدرة لهم على السمع، و هذا التعبير ينسجم تماما مع قولنا مثلا: إنّ الشخص العاشق لا يستطيع أن يسمع كلاما عن عيوب معشوقه! ..
و بديهي أنّ عدم استطاعة دركهم الحقائق كانت نتيجة لجاجتهم الشديدة و عدائهم للحق و الحقيقة، و هذا لا يسلب عنهم المسؤولية، لأنّهم هم السبب في ذلك، و هم الذي مهّدوا له، و كان بإمكانهم أن يبعدوا عنهم هذه الحالة، لأنّ القدرة على السبب قدرة على المسبّب.
و الآية التي بعدها تبيّن في جملة واحدة حصيلة سعيهم وجدهم في طريق الباطل، فتقول: أُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ و هذه أعظم خسارة يمكن أن تصيب الإنسان، إذ يخسر وجوده الإنساني .. ثمّ تضيف الآية: أنّهم اتخذوا آلهة و معبودين مصطنعين «مزيفين» و لكن تلاشت هذه الآلهة المصنوعة و المزيفة أخيرا .. وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ.
و في نهاية الآية بيان الحكم النهائي لمآلهم و عاقبتهم بهذا التعبير لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ.
و السبب واضح؛ لأنّهم حرموا من نعمة السمع الحاد و البصر النافذ، و خسروا كلّ إنسانيتهم و وجودهم، و مع هذه الحال فقد حملوا أثقال مسئوليتهم و أثقال الآخرين مع أثقالهم.
و المعنى الأصلي لكلمة «لا جرم» مأخوذ من «جرم» على وزن «حرم» و هو قطف الثمار من الأشجار، كما نقل ذلك الراغب في مفرداته، ثمّ توسع هذا المعنى فشمل كلّ نوع من الكسب و التحصيل، و لكثرة استعمال الكلمة في الكسب غير المرغوب فيه شاعت في هذا المعنى، و لذلك يطلق على الذنب أنّه جرم.
و لكن حين تبدأ هذه الكلمة جملة و هي مسبوقة ب «لا» فيكون معناها حينئذ:
أنّه لا شيء يمكنه أن يمنع أو يقطع هذا الموضوع، فهي قريبة من معنى «لا بدّ» أو «من المسلّم به» و اللّه العالم «فتدبر».