الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦١ - التّفسير
و من أجل أن نفهم الآية فهما دقيقا ينبغي أن تتضح لنا كلمة «يثنون» بجلاء فهي من مادة «ثني» و هي في الأصل تعني ضم أقسام الشيء بعضها إلى بعض، فمثلا في طي قطعة القماش و الثوب يقال «ثنى ثوبه» و إنّما يقال للشخصين على سبيل المثال: اثنان، فلأجل أن انضمّ واحد إلى جانب الآخر، و يقال للمادحين «مثنون» كذلك، لأنّهم يعدون الصفات البارزة واحدة بعد الأخرى.
و تعني الانحناء أيضا، لأنّ الإنسان بعمله هذا و هو الانحناء يقرّب أجزاء من جسمه بعضها إلى بعض.
و تأتي هذه المادة بمعنى أن تجد العداوة و البغضاء و الحقد طريقها إلى القلب أيضا .. لأنّ الإنسان بهذا العمل يقرب عداء الشخص- أو أيّ شيء آخر- إلى القلب، و مثل هذا التعبير موجود في الأدب العربي إذ يقال: «اثنونى صدره على البغضاء» [١].
و مع الأخذ بنظر الإعتبار بما ورد آنفا من معان لمادة «ثني» فلا يبعد أن تكون كلمة «يثنون» مشيرة إلى كل عمل خفي- ظاهري و باطنيّ- قام به أعداء النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم، فمن جهة يضمرون العداوة و البغضاء في القلوب و يبدون المحبّة في لسان ذلق جميل! و من جهة أخرى يقربون رؤوسهم بعضها إلى بعض عند التحدث، و يثنون الصدور و يستغشون الثياب، لئلا تنكشف مؤامراتهم و أقوالهم السيئة و يطّلع أحد على نياتهم.
لذلك فإنّ القرآن يعقّب مباشرة: أن أحذروهم، فإنّهم حين يستخفون تحت ثيابهم فإنّ اللّه يعلم ما يخفون و ما يعلنون .. أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ.
[١] يراجع «تاج العروس» و «مجمع البيان» و «المنار» و «مفردات الراغب» في هذا الشأن.