الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٣ - ملاحظات
إنّ مثل هذا التعبير يفيد تأكيد المراد، و لهذا فقد ذكر هذا الموضوع بنفسه في الآية (٦) من سورة المنافقين، و قد نفي نفيا مطلقا، حيث تقول الآية: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ.
و الدليل الآخر على هذا الكلام، العلة التي ذكرت في آخر الآية، و هي: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ و هي توضح أنّ الاستغفار لأمثال هؤلاء مهما كثر و عظم فإنّه سوف لا ينجيهم، و لا يمكن أن يكون سببا في خلاصهم ممّا ينتظرهم.
العجيب في الأمر أنّ عدّة روايات نقلت من مصادر أهل السنة،
ورد فيها أن النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم قال بعد أن نزلت هذه الآية: «لأزيدن في الاستغفار لهم على سبعين مرّة»!
رجاء منه أن يغفر اللّه لهم، فنزلت: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ [١].
و هذه الرّوايات تعني أنّ النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم قد فهم من هذه الآية أنّ المراد من السبعين هو العدد بالذات، و لهذا
قال: «لأزيدن في الاستغفار لهم على سبعين مرّة»
في الوقت الذي تريد الآية- كما قلنا- أن تقول لنا: إن العدد المذكور ذكر على وجه الكثرة و المبالغة، و كناية عن النفي المطلق المقترن بالتأكيد، خصوصا مع ملاحظة العلة التي ذكرت في ذيل الآية التي توضح ما ذكرناه.
و على هذا الأساس فإنّ هذه الرّوايات لا يمكن قبولها لأنّها تخالف القرآن، خاصّة و أن أسانيدها غير معتبرة عندنا.
التوجيه الوحيد الممكن لهذه الرّوايات- بالرغم من أنّه خلاف الظاهر- هو أن النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم كان يقول ذلك قبل نزول الآيات المذكورة، و لما نزلت هذه الآيات كف النّبي صلى اللّه عليه و آله و سلّم عن الاستغفار لهؤلاء.
و نقلت رواية أخرى في هذا الموضوع، قد تكون هي الأصل للرّوايات
[١] لقد وردت روايات كثيرة بهذا المضمون ذكرت في تفسير الطبري، ج ١٠، ص ١٣٨.