الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨٠ - الاستعمار في القرآن و في عصرنا الحاضر
خيراتهم و مصادرة حياتهم.
هذا الاستعمار الذي له أوجه شؤم مختلفة، يتجسم مرّة بشكل «ثقافي» و أخرى بوجه «فكري» و ثالثة بوجه «اقتصادي» و رابعة بوجه «سياسي» و قد يبدو بوجه «عسكري» أيضا، و هو الذي بدل دنيانا و جعلها سوداء مظلمة، فالأقلية في هذه الدنيا لديهم كل شيء، و الأكثرية العظمى فاقدة لكل شيء هذا الاستعمار هو السبب في الحروب و الدمار و الانحرافات و الفساد و التسابق التسليحي الذي يقصم الظهر.
القرآن استعمل لهذا المفهوم مفردة «الاستضعاف» التي تنطبق تماما على هذا المعنى أي «جعل الشيء ضعيفا» بالمعنى الواسع و الشامل للكلمة، جعل الفكر ضعيفا، و جعل الإقتصاد ضعيفا، و جعل السياسة ضعيفة .. إلخ ..
و قد اتسع مجال الاستعمار إلى درجة بحيث أصبحت كلمة الاستعمار «استعمارية» أيضا، و ذلك لأنّ مفهومها اللغوي قد انقلب رأسا على عقب تماما.
و على كل حال، فإن الاستعمار من القصص الطويلة المثيرة للحزن و الألم، بحيث يمكن أن يقال أنّه يستوعب تاريخ البشرية أجمع و إن تغيّر وجهه دائما، و لكن من غير المعلوم أنّه متى يزول من المجتمعات الإنسانية، و تقوم حياة البشر على أساس التعاون و الاحترام المتبادل بين الناس و المساعدة ليتقدم الواحد بعد الآخر في جميع المجالات ...؟!