الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧٩ - الاستعمار في القرآن و في عصرنا الحاضر
و إنّما قال: و فوّض إليكم إعمار الأرض وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها و هي إشارة إلى أنّ الوسائل معدّة فيها لكل شيء و عليكم إعمارها بالعمل و السعي المتواصل و السيطرة على مصادر الخيرات فيها. و بدون ذلك لا حظّ لكم في الحياة الكريمة.
كما يستفاد ضمنا أنّه ينبغي من أجل الإعمار أن يعطي المجال لأمّة معينة في العمل، و تجعل الأسباب و الوسائل اللازمة تحت تصرفها و في اختيارها.
فإذا كان الأمر كذلك فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ لدعواتكم.
الاستعمار في القرآن و في عصرنا الحاضر:
لا حظنا في الآيات المتقدمة أنّ نبي اللّه «صالحا» من أجل هداية و تربية قومه الضالين «ثمود» ذكرهم بعظيم خلق اللّه لهم من التراب .. و تفويض إعمار الأرض إليهم إذ قال: هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ اسْتَعْمَرَكُمْ فِيها ....
لكن هذه الكلمة مع جمالها الخاص و جذابيتها التي تعني العمران و تفويض الإختيارات و إعداد الوسائل اللازمة و تهيأتها، تبدّلت هذه الكلمة في عصرنا إلى درجة أنّها مسخت و أصبحت تعطي معنى معاكسا لمفهوم القرآن تماما.
و ليست كلمة الاستعمار وحدها انتهت إلى هذا المصير المشؤوم، فهناك كلمات كثيرة في العربية و في لغات أخرى مسخت و حرّفت و تبدّلت و انقلبت رأسا على عقب، مثل كلمات «الحضارة» و «الثقافة» و «الحرية» و في ظلال هذه التحريفات تأخذ هذه الكلمات و أمثالها طريقها إلى التغرّب و البعد عن معناها، و تتحول لعبادة المادة و أسر الناس و إنكار الحقائق و التوغل في كل أنواع الفساد و ما إلى ذلك.
و على كل حال، فإنّ معنى «الاستعمار» في عصرنا و مفهومه الواقعي هو «استيلاء الدول العظمى السياسية و الصناعية على الأمم المستضعفة قليلة القدرة، بحيث تكون نتيجة هذا «الاستيلاء» و هذه «الغارة» امتصاص دمائهم و سلب