الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٧٤ - ١- قوم عاد من منظار التاريخ
و لم ينقل التاريخ البشري عنها إلّا أساطير لا يطمأنّ إلى صحتها. و التعبير الوارد في القرآن «عادا الأولى» إشارة إلى هذه القبيلة.
و لكن في زمن التاريخ- و من المحتمل أن يكون في حدود ٧٠٠ سنة قبل ميلاد المسيح- وجد قوم آخرون باسم «عاد» قطنوا الأحقاف أو اليمن أيضا. و كان أولئك طوالا جساما أقوياء مقتدرين، و لذلك كانوا يعدون من مثيري الحروب.
كما أنّهم كانوا من الناحية الحضارية متمدنين، إذ كانت لهم مدن عامرة و أراضي خصبة خضراء و غابات نضرة، كما وصفوا في القرآن ... الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ.
و لذلك يقول بعض المؤرّخين «المستشرقين»: إنّ «عادا» كانت تقطن في حدود «برهوت» إحدى نواحي حضر موت اليمن، و على أثر البراكين و جبال النّار التي حولها دمرت الكثير من قراهم و مدنهم و تفرقت بقاياهم.
على كل حال فإنّ هؤلاء القوم كانوا يعيشون في نعم و ترف، و لكن كما هي طريقة أغلب المتنعمين الغافلين و السكارى من أثر النعمة استغلّوا قدرتهم لظلم الآخرين و استثمارهم و استعمارهم .. و اتبعوا أمر كل جبار عنيد، و أقروا عبادة الأوثان.
و حين دعاهم نبيّهم هود عليه السّلام بكلّ ما أوتي من جهد وجدّ ليضيء أفكارهم بنصحه و مواعظه، و يتمّ الحجّة عليهم، لم يكتفوا بإهمال هذه الدعوة فحسب، بل نهضوا لإسكات هذا الصوت النيّر لهذا النّبي العظيم فمرّة نسبوه إلى السفاهة و الجنون، و مرّة هددوه بغضب آلهتهم، و لكنّه وقف صامدا أمامهم كالجبل لا يخشى غضب هؤلاء القوم المغرورين الأقوياء، حتى استطاع أن يكتسب منهم جماعة تقدّر بأربعة آلاف و طهّر قلوبهم و دعاهم إلى منهاجه و عقيدته، لكن بقي الآخرون مصرّين على عنادهم و لجاجتهم.