الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٠ - قصّة نوح المثيرة مع قومه
ظاهرهم، في حين أن الواقع أجوف. و يشكلون أصل الفساد و الانحراف في كل مجتمع، و يرفعون راية العناد و المواجهة أمام دعوة الأنبياء عليهم السّلام.
و الإشكال الثّاني: إنّهم قالوا: يا نوح؛ لا نرى متبعيك و من حولك إلّا حفنة من الأراذل و غير الناضجين الذين لم يسبروا مسائل الحياة وَ ما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ.
و «الأراذل» جمع ل «أرذل» و تأتي أيضا جمع ل «رذل» التي تعني الموجود الحقير، سواء كان إنسانا أم شيئا آخر غيره.
و بالطبع فإنّ الملتفين حول نوح عليه السّلام و المؤمنين به لم يكونوا أراذل و لا حقراء، و لكن بما أنّ الأنبياء ينهضون للدفاع عن المستضعفين قبل كل شيء، فأوّل جماعة يستجيبون لهم و يلبّون دعوتهم هم الجماعة المحرومة و الفقيرة، و لكن هؤلاء في نظر المستكبرين الذين يعدّون معيار الشخصيّة القوة و الثروة فحسب يحسبونهم أراذل و حقراء ..
و إنّما سمّوهم ب «بادي الرأي» أي الذين يعتمدون على الظواهر من دون مطالعة و يعشقون الشيء بنظرة واحدة، ففي الحقيقة كان ذلك بسبب أنّ اللجاجة و التعصب لم يكن لها طريق الى قلوب هؤلاء الذين التفوا حول نوح عليه السّلام لأنّ معظمهم من الشباب المطهرة قلوبهم الذين يحسون بضياء الحقيقة في قلوبهم، و يدركون بعقولهم الباحثة عن الحق دلائل الصدق في أقوال الأنبياء عليهم السّلام و أعمالهم.
الإشكال الثّالث: الذي أوردوه على نوح عليه السّلام أنهم قالوا: بالاضافة الى أنّك إنسان و لست ملكا، و أن الذين آمنوا بك و التفوا حولك هم من الأراذل، فإنّنا لا نرى لكم علينا فضلا وَ ما نَرى لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذِبِينَ.
و الآيات التي تعقبها تبيّن رد نوح عليه السّلام و إجاباته المنطقية على هؤلاء حيث تقول: قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَ آتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ.