الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٨ - قصّة نوح المثيرة مع قومه
ترسم النقاط الأساسية لتأريخه المثير ..
و لا شك أنّ قصّة جهاد نوح عليه السّلام المتواصل للمستكبرين في عصره، و عاقبتهم الوخيمة، واحدة من العبر العظيمة في تاريخ البشرية، و التي تتضمن دروسا هامّة في كل واقعة منها ..
و الآيات المتقدمة تبيّن بداية هذه الدعوة العظيمة فتقول: وَ لَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ.
التأكيد على مسألة الإنذار، مع أنّ الأنبياء كانوا منذرين و مبشرين في الوقت ذاته لأنّ الثورة ينبغي أن تبدا ضرباتها بالإنذار و إعلام الخطر، لأنّه أشدّ تأثيرا في إيقاظ النائمين و الغافلين من البشارة.
و الإنسان عادة إذا لم يشعر بالخطر المحدق به فإنّه يفضل السكون على الحركة و تغيير المواقع. و لذلك فقد كان إنذار الأنبياء و تحذيرهم بمثابة السياط على أفكار الضاليّن و نفوسهم، فتؤثر فيمن له القابلية و الاستعداد للهداية على التحرك و الاتجاه الى الحق.
و لهذا السبب ورد الاعتماد على الإنذار في آيات كثيرة من القرآن، كما في الآية (٤٩) من سورة الحج، و الآية (١١٥) من سورة الشعراء، و الآية (٥٠) من سورة العنكبوت، و الآية (٤٢) من سورة فاطر، و الآية (٧٠) من سورة ص، و الآية (٩) من سورة الأحقاف، و الآية (٥٠) من سورة الذاريات، و آيات أخرى كلها تعتمد على كلمة «نذير» في بيان دعوة الأنبياء لأممهم.
و في الآية الأخرى يلخّص محتوى رسالته في جملة واحدة و يقول: رسالتي هي أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ثمّ يعقب دون فاصلة بالإنذار و التحذير مرّة أخرى إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ [١].
[١] مع أنّ الأليم صفة للعذاب عادة، و لكن في الآية السابقة وقع صفة ل «يوم»، و هذا نوع من الإسناد المجازي اللطيف الذي نجده في مختلف اللغات في أدبياتها.