الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٨ - ٢- مفهوم النسيء و فلسفته في الجاهليّة
«صفر» بدل شهر محرم في عام فيحرمونه، كما حدث لأحد زعماء قبيلة بني كنانة، إذ خطب في اجتماع كبير نسبيّا في موسم الحج بمنى و قال: إنّني أخرت المحرم هذا العام و انتخبت شهر صفر مكانه.
و قد روي عن ابن عباس: إنّ أوّل من سنّ هذه السنّة هو عمرو بن لحي، و قال بعضهم: بل هو قلمس «من بني كنانة».
و فلسفة هذا العمل «التأخير و النسيء» في عقيدتهم أن توالي ثلاثة أشهر حرم تباعا كذي القعدة و ذي الحجة و المحرم يسبب إضعاف معنويات المحاربين، لأنّ عرب الجاهلية كانوا يتوقون الى الإغارة و سفك الدماء و الحرب، و أساسا فإنّ الحرب و الإغارة و ما شاكلهما كان يمثل جزءا من حياتهم، و كان من الصعب عليهم أن يتحملوا ثلاثة أشهر حرم (يتوقف فيها القتال) لذا فقد كانوا يسعون لفصل شهر المحرم عن هذه الأشهر (أو يؤخروه)! كما يرد هذا الاحتمال أيضا، و هو أنّ ذا الحجة قد يقع في الصيف أحيانا، ممّا يسبب عليهم، حرجا في موضوع الحج، و نعرف أن الحج لم يكن مسألة عبادية عند العرب فحسب، بل كان موسما كبيرا منذ زمن إبراهيم الخليل عليه السّلام يجتمع فيه خلق كبير، و تقام فيه الأسواق التجارية و الاقتصادية و المحافل الشعرية و الخطابية، و يفيدون منها فوائد عامّة، لذلك كانوا يبدلون شهر ذي الحجة حسب ميولهم و يجعلون مكانه شهرا آخر طيب الأجواء لطيف الهواء.
و ربّما كانت كلا الغايتين صحيحتين.
و على كل حال، كان هذا العمل باعثا على إشعال نار الحرب أكثر فأكثر، و أن تسحق الغاية من الأشهر الحرم، و أن يتلاعب بمواسم الحج حسب الأهواء ابتغاء المنافع المادية.
و قد عدّ القرآن هذا العمل زيادة في الكفر، لأنّهم إضافة إلى شركهم و كفرهم الاعتقادي فإنّهم بسحقهم هذا الدستور كانوا يرتكبون كفرا عمليا، و لا سيما أنّهم